حجم الخط:

تفسير سورة عبس

وهي مكية، [وعدد آياتها (42) آيةً].

الآية (1-16): ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ﴿٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ؟! أي: يَحصل له زكاةٌ وطهارة في نفسه. ﴿ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَىٰ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ﴿٥ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ أي: أما الغني فأنت تَتَعَرَّض له لعله يهتدي، ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ أي: ما أنت بمُطَالَب به إذا لم يَحصُل له زكاة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَىٰ ﴿٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ أي: يَقْصِدك ويَؤُمُّك ليهتدى بما تقول له ﴿ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ أي: تَتَشَاغَل. ومن ههنا أمر الله رسوله ألَّا يَخُصَّ بالإنذار أحدًا، بل يساوى فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.

[سبب النزول]: عن عائشة قالت: أُنْزِلَتْ ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ في ابن أم مكتوم الأعمى؛ أتى إلى رسول الله فجَعَلَ يقول: أرشدني. قالت: وعند رسول الله من عُظَماء المشركين فجَعَل النبي يُعرض عنه ويُقبِل على الآخر. [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم. وقال قتادة والسُّدِّي: يعني: القرآن. ﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ أي: فمن شاء ذَكَر الله في جميع أموره. ويُحتَمَل عَود الضمير على الوحي؛ لدلالة الكلام عليه. ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ أي: هذه السُّورة أو العِظَة، وكلاهما مُتَلازم، بل جميع القرآن ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي: مُعَظَّمة مُوَقَّرة، ﴿ مَرْفُوعَةٍ أي: عالية القدر، ﴿ مُطَهَّرَةٍ أي: من الدَّنَس والزيادة والنقص.

﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الملائكة. [وقيل غير ذلك]، وقال ابن جرير: الصحيح الملائكة، والسَّفَرَة يعني بين الله وبين خَلقه، ومنه يُقال: السَّفِير: الذي يَسعَى بين الناس في الصلح والخير. ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ خَلْقُهم كريم حَسَنٌ شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارَّة طاهرة كاملة. ومن ههنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد. عن عائشة قالت: قال رسول الله : «الذي يَقْرَأ القرآن وهو ماهر به مع السَّفَرة الكرام البَرَرَة» [متفق عليه].

الآية (17-32): يقول تعالى ذامًّا لمن أَنكَر البعث والنشور من بني آدم: ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ قال ابن عباس: لُعِن الإنسان. وكذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان الـمُكَذِّب؛ لكثرة تَكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العِلْم. قال ابن جريج: ﴿ مَا أَكْفَرَهُ : ما أشدَّ كفره! وقال قتادة: ما ألعنه. وقال ابن جرير: ويُحتَمَل أن يكون المراد: أيُّ شيء جَعَلَه كافرًا؟! أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد؟!

ثم بيَّن تعالى له كيف خَلَقَه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بَدَأَه، فقال: ﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أي: قَدَّر أجَلَه ورزقَه وعملَه، وشقيٌّ أو سعيد.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قال ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه، وقال مجاهد: هذه كقوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3] أي: بَيَّناه وأوضحناه وسَهَّلْنا عليه عَمَله، وهكذا قال الحسن وابن زيد. وهذا هو الأرجح، والله أعلم. ﴿ ثُمَّ أي: بعد خَلقه له ﴿ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي: جَعَله ذا قَبْر، ﴿ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ أي: بَعَثَه بعد موته، ومنه يُقال: البعث والنشور. ﴿ كَلَّا قال ابن جرير: يقول: كلَّا، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد أدَّى حَقَّ الله عليه في نفسه وماله. وعن مجاهد: لا يقضي أحد أبدًا كلَّ ما افتُرِض عليه. ولم أجد للمتقدمين فيه كَلامًا سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: ﴿ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ أي: بَعَثَه، ﴿ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ أي: لا يفعله الآن حتى تَنقَضِي المدة، ويَفْرَغ القَدَر من بني آدم ممَّن كَتَب تعالى له أن سيُوجَد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أَمَر به تعالى كَوْنًا وقَدَرًا، فإذا تَنَاهى ذلك عند الله أَنْشَرَ الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عِظامًا باليةً وترابًا [مُتَفرِّقًا﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا أي: أنزلناه من السماء على الأرض، ﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا أي: أسكناه فيها فَدَخل في تُخُومها وتَخَلَّل في أجزاء الـحَبِّ الـمُودَع فيها، فنَـبَتَ وارتفع وظَهَر على وجه الأرض، ﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧ وَعِنَبًا وَقَضْبًا فالـحَبُّ: كلُّ ما يُذْكَر من الحبوب، والعِنَب معروف، والقَضْب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رَطْبَةً. ويُقال لها: القَتّ أيضًا. قال ذلك ابن عباس وقتادة والضحاك والسُّدِّي. وقال الحسن: القضب: العَلَف. ﴿ وَزَيْتُونًا وهو معروف، وهو أُدْمٌ وعصيره أُدْمٌ، ويُستَصبح به، ويُدَّهَن به. ﴿ وَنَخْلًا يُؤْكَلُ بَلَحًا وبُسْرًا، ورُطبًا وتمرًا، ونيئًا ومطبوخًا. ﴿ وَحَدَائِقَ أي: بساتين. قال الحسن وقتادة: ﴿ غُلْبًا : نخل غِلاظ كرام. وقال ابن عباس ومجاهد: «الحدائق»: كلُّ ما الْتَفَّ واجتمع. وقال ابن عباس أيضًا: ﴿ غُلْبًا : الشجر الذي يُسْتَظَلُّ به. وعنه: ﴿ غُلْبًا أي: طوال. ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا أما الفاكهة فهو ما يُتَفَكَّهُ به من الثمار. قال ابن عباس: الفاكهة: كلُّ ما أُكِلَ رَطْبًا. والأبُّ: ما أَنْبَتَت الأرض ممَّا تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ أي: عِيشةً لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.

الآية (33-40): قال ابن عباس: ﴿ الصَّاخَّةُ : اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمَه الله، وحَذَّره عباده. قال ابن جرير: لعله اسم النفخة في الصور. وقال البَغَويُّ: صيحة القيامة؛ سميت بذلك لأنها تَصُخُّ الأسماع، أي: تُبَالِغ في إسماعها حتى تكاد تُصمُّها. ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤ أي: يراهم، ويَفِرُّ منهم، ويَبتَعِد عنهم؛ لأن الهول عظيم، والـخَطب جليل. ﴿ أي: هو في شُغُل شاغل عن غيره. وعن عائشة: أن رسول الله قال: «يُبْعَث الناس يوم القيامة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» فقالت عائشة: يا رسول الله، فكيف بالعورات؟ فقال: «﴿ » [رواه النسائي، وصححه الألباني].

﴿ أي: مستنيرة، ﴿ مسرورة فَرِحَة؛ من السرور في قلوبهم، قد ظَهَر البِشْر على وجوههم، وهؤلاء هُم أهل الجنة. ﴿ أي: يعلوها ويغشاها قترة؛ أي: سواد.

الآية (41-42): ﴿ قال ابن عباس: أي: يغشاها سواد الوجوه. وقوله: ﴿ أي: ﴿ قلوبُهم ﴿ في أعمالهم.