حجم الخط:

الآيات (17-24)

الآية (17-18) تقرير هذا المثل: أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتِهم بعد التبصِرة إلى العمى؛ بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها، فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشد. وقوله: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي: أذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ﴿ لَا يُبْصِرُونَ لا يهتدون إلى سُبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿ صُمٌّ لا يسمعون خيرًا ﴿ بُكْمٌ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿ عُمْيٌ في ضلالة وعماية البصيرة، فلهذا ﴿ لَا يَرْجِعُونَ إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.

الآية (19-20): وهذا مثلٌ آخر ضربه الله تعالى لضربٍ آخرَ من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارةً، ويشكّون تارةً أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ﴿ كَصَيِّبٍ ، والصيب: المطر، نزل ﴿ مِنَ السَّمَاءِ في حال: ﴿ ظُلُمَاتٌ وهي الشكوك والكفر والنفاق. ﴿ وَرَعْدٌ وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإنّ مِن شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، و﴿ وَبَرْقٌ هو ما يلمع في قلوب هؤلاء المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛ ولهذا قال: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ أي: ولا يُجْدِي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بهم بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته. ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ قال ابن عباس: أي لشدة ضوء الحق، ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين. وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يُعطَى الناسُ النورَ بحسب إيمانهم، فمنهم من يُعطَى من النور ما يُضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك، وأقل من ذلك، ومنهم من يُطْفَأ نوره تارةً ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يُطفأ نوره بالكلّية، وهم الخُلَّص من المنافقين. ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ لِـما تركوا من الحق بعد معرفته. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال ابن جرير: إنما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذّر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى ﴿ قَدِيرٌ : قادر.

الآية (21-22): شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم ﴿ الْأَرْضَ فِرَاشًا ، أي: مهدًا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، ﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ، وهو السقف، و﴿ وَأَنْزَلَ لهم ﴿ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً -والمراد به السحاب ههنا- في وقته عند احتياجهم إليه ﴿ فَأَخْرَجَ لهم ﴿ بِهِ من أنواع الزروع والثمار ما هو مُشاهَد؛ ﴿ رِزْقًا لهم ولأنعامهم. ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يُعبَد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، و﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وأن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا، وهو خلَقَك» [متفق عليه].

وعن ابن عباس قال: الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل. وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وعلى وجود الصانع بطريق الأَولى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها، علم قدرة خالقها وحكمته وعِلْمَه وإتقانه وعظيم سلطانه.

الآية (23-24): ثم شرع تعالى في تقرير النبوة، فقال مخاطبًا الكافرين: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يعني: محمدًا ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ من مثل ما جاء به، إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارِضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك. ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا أي: ولن تفعلوا ذلك أبدًا. وهذه أيضا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا مقدّمًا غير خائف ولا مُشفق أن هذا القرآن لا يُعارَض بمثله أبدًا، وكذلك وقع الأمر، لم يُعارَض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنّى يَتأتّى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟! وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين، ومَن تدبّر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُّم الراسيات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوّق إلى دار السلام ومجاورة الرحمن، وإن جاءت الآيات في الأحكام اشتملت على الأمر بكل معروف والنهي عن كل قبيح.

وقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا الوَقود: هو ما يُلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، ﴿ أُعِدَّتْ الأظهر أن الضمير عائدٌ إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عَودُه على الحجارة، ولا مُنافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان. و﴿ أُعِدَّتْ أي: أُرصدت وحصلت ﴿ لِلْكَافِرِينَ بالله ورسوله. وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ أي: أُرصِدَت وهُيّئت.