حجم الخط:

الآيات (283-286)

الآية (283): ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ أي: مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا يكتب لكم. قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجد قرطاسًا أو دواة أو قلمًا ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ أي: فَلْيكن بدل الكتابة رِهَانٌ مقبوضة في يد صاحب الحق.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسَخت ما قبلها. وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس ألَّا تكتبوا أو لا تُشهِدوا. وقوله: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ يعنى: المؤتَمن.

وقوله: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ أي: لا تخفوها، وتغلُّوها ولا تظهروها[1]. قال ابن عباس: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك. ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ قال السُّدي: يعني: فاجرٌ قلبه. وهذه كقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [المائدة:106]، وهكذا قال ههنا: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ .

الآية (284): يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطّلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقَّت وخفيت، وأخبر أنه سَيُحاسِب عباده على ما فعلوه وما أخفَوه في صدورهم، كما قال: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:29]، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم، وهو: المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة y وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا». فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ إلى قوله: ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [رواه مسلم]. وعن مَرْوان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي -أحسَبُه ابن عمر- ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قال: نسختها الآية التي بعدها [رواه البخاري]. وهكذا رُوي عن علي، وابن مسعود، والشعبي، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة: أنها منسوخة بالتي بعدها.

الآية (285): [فضل الآية وما بعدها] عن أبي مسعود قال: قال رسول الله : «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه» [رواه البخاري]. قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إخبار عن النبي بذلك. وقوله: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ عطفٌ على ﴿ الرَّسُولُ ثم أخبر عن الجميع فقال: ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحدٌ أحد، فردٌ صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارُّون راشدون مَهْديون هادُون إلى سُبُل الخير، وإن كان بعضهم ينسَخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نُسِخ الجميع بشرع محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمّته على الحق ظاهرين. وقوله: ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ أي: سمعنا قولك يا ربنا، وفهمناه، وقُمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا سؤال للغَفْر والرحمة ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.

الآية (286): ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا مِن لُطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لـِما كان أشفَق منه الصحابة في قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذّب إلا بما يملك الشخصُ دَفْعَهُ، فأما ما لا يمكن دفعُه -من وسوسة النفس وحديثها- فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان. وقوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ أي: من خير ﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.

ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة، كما أرشدهم وعلَّمهم أن يقولوا: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أي: إنْ تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك ﴿ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ أي: الصوابَ في العمل، جهلًا منا بوجهه الشرعي.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة -وإن أطَقْنَاها- كما شرعتَهُ للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا نبي الرحمة بوضعِهِ في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: نعم». وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلِنا بما لا قِبَل لنا به. وقوله: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزَلَلِنَا، ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿ وَارْحَمْنَا ۚ أي: فيما يُسْتَقبل، فلا تُوقعنا في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقوله: ﴿ أَنْتَ مَوْلَانَا أي: أنت وليُّنا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: «نعم». وروى ابن جرير أن معاذًا كان إذا فرغ من هذه السورة: ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قال: آمين.

وتم تفسير سورة البقرة، والحمد لله رب العالمين.