الآية (27-28): ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ أي: يُريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزُّناة ﴿ أَنْ تَمِيلُوا ﴾ عن الحق إلى الباطل ﴿ مَيْلًا عَظِيمًا ﴾.
قوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروطه، كما قال مجاهد. ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ فناسبه التخفيف؛ لضعفه في نفسه، وضعف عزمه وهمته. قال طاووس: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.
الآية (29): نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب غير الشرعية؛ كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، روى ابن جرير عن ابن عباس -في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيتُه أخذتُه وإلا رددت معه درهمًا- قال: هو الذي قال الله عز وجل: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾. قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ هو استثناء منقطع؛ كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الأنعام:151]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نَصًّا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف الجمهورُ في ذلك، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة في المحقّرات، وفيما يعدُّه الناس بيعًا. ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل. في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة». ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه.
الآية (30-31): ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديًّا فيه ظالمًا في تعاطيه، أي: عالـمًا بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. قوله: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نُهيتم عنها؛ كفّرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة؛ ولهذا قال: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾.
عن أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر -أو سئل عن الكبائر- فقال: «الشِّرْكُ بالله، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الوالدين». وقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى. قال: «قول الزور، أو شهادة الزور» [متفق عليه].
الآية (32): [سبب النزول]: عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث؟ فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن ابن عباس قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: «ليت؛ لو أن لي مال فلان وأهله!» فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله. وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله. فهما في الأجر سواء» [رواه البخاري] فإن هذا شيء غير ما نهت الآية عنه؛ وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا. ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ أي: كلٌ له جزاء على عمله بحسبه، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشَرّ. وهو قول ابن جرير. وقيل: المراد بذلك في الميراث، أي: كل يرث بحسبه. ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم فقال: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ولا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض؛ فإن هذا أمر محتوم، أي: إن التمنّي لا يُجدي شيئًا، ولكن سلوني من فضلي أُعطِكم؛ فإني كريم وهاب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيُفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه.
الآية (33): قال ابن عباس: ﴿ مَوَالِيَ ﴾ أي: ورَثة. وفي رواية: أي عَصَبة. قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم: مولى، ويعني بقوله: ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ مِن ترِكة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكُلّكم -أيها الناس- جعلنا عَصبَة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة -أنتم وهم- فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نُسخ بعد ذلك، وأُمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا يُنْشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. عن ابن عباس: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ قال: ورثة ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحِمه؛ للأخوّة التي آخَى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ نُسخت، ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويُوصي له [رواه البخاري]. فالصحيح أنهم كانوا في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحِلْف، ثم نُسخ، وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أُمِروا أن يوفوا بالعقود والعهود.
و[قد] نص غير واحد من السلف: أنها منسوخة بقوله: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ﴾ [الأحزاب:6].