الآية (32-34): ﴿ مِنْ أَجْلِ ﴾ قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا: ﴿ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: ومن قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحلَّ قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾ أي: حرَّم قتلها واعتقد ذلك، فقد سَلِمَ الناس كلهم منه بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: ﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾. قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ أي: بالحُجج والبراهين والدلائل الواضحة ﴿ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها. ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ الآية. الـمُحَارَبَة: هي الـمُضَادَّة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يُطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف: إن قرض الدراهم والدنانير[1] من الإفساد في الأرض.
قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات؛ فعن أنس بن مالك: أن نفرًا من عُكْل، ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشَكَوا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «ألا تخرجون مع راعينا في إبلِه فتصيبون من أبوالها وألبانها؟»، فقالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأُدْرِكُوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقُطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمرت أعينهم، ثم نُبذوا في الشمس حتى ماتوا [متفق عليه، وهذا لفظ مسلم]. وعند البخاري: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. وروى مسلم عن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرِّعاء.
قوله: ﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: من شَهَرَ السلاح في قُبَّةِ الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِر به وقُدِر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله.
وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال كما قال ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتِلوا ولم يُصْلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.
قوله: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: هو أن يُطلب حتى يُقدَر عليه، فيُقَام عليه الحد، أو يهرب من دار الإسلام. رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وغيرهم. وقال آخرون: هو أن يُنفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية. وقال آخرون: المراد بالنفي ههنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي ههنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيُسجن فيه.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ خزْي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادَّخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يُؤَيِّد قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام فعن عبادة بن الصامت [مرفوعًا]: «مَن أصابَ من ذلك شيئًا فعُوقِبَ فهو كفارة له» [رواه مسلم]. وقال ابن جرير في قوله: ﴿ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ﴾ يعني: شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وذِلَّة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا في الآخرة، مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها في الدنيا. ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني: عذاب جهنم.
وقوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة.
الآية (35-36): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قُرِنَت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ قال ابن عباس: أي القُربة. وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد وغير واحد. وقال قتادة: أي تقرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. والوسيلة: هي التي يُتَوَصَّل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثَبَتَ عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عَليّ، فإنه من صلى عَليّ صلاةً صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلَّتْ عليه الشفاعة» [رواه مسلم].
وقوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ لَـمَّا أَمَرَهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، ورغَّبَهم في ذلك بالذي أعدَّه للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرَّة التي لا تَبِيد ولا تَحُول ولا تزول في الغُرَف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سَكَنَها يَنْعَم لا يَبْأَس، ويحيا لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا وبمثله، ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتَيَقَّن وصوله إليه، ما تُقُبِّل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: مُوجِع.