الآية (41): يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة من إحلال المغانم.
والغنيمة هي: المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. والفيء: ما أخذ منهم بغير ذلك؛ كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج، ونحو ذلك. هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضًا، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: [قوله تعالى: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ الآية [الحشر: 7]] نزلت في أموال الفيء، وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعًا إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ توكيدٌ لتخميس كل قليل وكثير حتى الخَيط والـمخيط. وقوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ اختلف المفسرون ههنا: فقال بعضهم: لله نصيب من الخُمس يُجعل في الكعبة. وقال آخرون: ذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرُّك، وسهمه لرسوله عليه السلام. ويؤيد هذا ما رواه الإمام البيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بِوادي القُرَى، وهو يَعْرِضُ فرسًا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: «لله خُمسها، وأربعة أخماس للجيش». قلت: فما أحَدٌ أولى به من أحد؟ قال: «لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحقَّ به من أخيك المسلم». وقال عطاء: خُمس الله والرسول واحد، يَحمل منه ويصنع فيه ما شاء، يعني: النبي ﷺ. وهذا أعمّ وأشمل، وهو أنه ﷺ يتصرف في الخُمس الذي جعله الله له بما شاء، ويردّه في أمته كيف شاء. وقد كان للنبي ﷺ من المغانم شيء يصطفيه لنفسه عبدًا أو أمَة أو فرسًا أو سيفًا أو نحو ذلك، كما نص على ذلك محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتَبِعَهُما على ذلك أكثر العلماء. ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه. وقال آخرون: إن الخُمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء. وقال ابن تيمية رحمه الله-: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال. وقوله: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ ﴾ أي: يتامى المسلمين، ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسدُّ خَلَّتَهم ومَسْكَنَتَهم، ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تُقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزل على رسوله؛ ولهذا جاء في الصحيحين، في حديث وفد عبد القيس: أن رسول الله ﷺ قال لهم: «وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم...» فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان. قوله: ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ينبّه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فَرَّق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى «الفرقان»؛ لأن الله تعالى أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه.
الآية (42): يقول تعالى مخبرًا عن يوم الفرقان: ﴿ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ﴾ أي: إذْ أنتم نُزُول بعَدْوَة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة ﴿ وَهُمْ ﴾ أي: المشركون نزول ﴿ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ ﴾ أي: البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة، ﴿ وَالرَّكْبُ ﴾ أي: العِير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة ﴿ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ﴾ أي: مما يلي سِيف البحر ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ ﴾ أي: أنتم والمشركون إلى مكان ﴿ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ قال عبد الله بن الزبير: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم، ﴿ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، عن غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بِلُطفه. وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد [متفق عليه]. قوله: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرًا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حُجة ولا شُبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مُبطل؛ لقيام الحجة عليه، ﴿ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ ﴾ أي: يؤمن من آمن ﴿ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ أي: حجة وبصيرة. قوله: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ ﴾ أي: لدعائكم وتضرُّعكم واستغاثتكم به ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أي: بكم وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.
الآية (43-44): قال مجاهد: أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم. ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ أي: لجَبُنْتم عنهم واختلفتم فيما بينكم ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ أي: من ذلك؛ بأن أراكَهُم قليلًا ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي: بما تُجِنُّهُ الضمائر، وتنطوي عليه الأحشاء. قوله: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ﴾ هذا أيضًا من لُطفه تعالى بهم؛ إذْ أراهم إياهم قليلًا في رأي العين، فيجرِّئهم عليهم، ويُطمعهم فيهم، ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ عن عكرمة قال: حضَّض بعضهم على بعض. ومعنى هذا: أنه تعالى أغرى كُلًّا من الفريقين بالآخر، وقلَّله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة. فلما التحَم القتال وأيَّد الله المؤمنين بألف من الملائكة مُردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضِعْفَيه؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ ﴾ الآية [آل عمران:13]، وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلًّا منهما حق وصدق.
الآية (45): هذا تعليم من الله لعباده المؤمنين آدابَ اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ عن عبد الله بن أبي أوفى، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يا أيُّها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» [متفق عليه].
فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفرّوا ولا ينكلوا ولا يَجْبُنُوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتَّكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم.