الآية (44-48): سألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ أي: أخلاط اقتضت رؤياك هذه ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ أي: ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها. فعند ذلك تَذَكَّرَ ذلك الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصَّاه به يوسف مِن ذِكْر أمره للملك، فعند ذلك تذكر ﴿ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي: مدة. وقرأ بعضهم: «بعد أَمَهٍ»[1] أي: بعد نسيان، فقال للملك والذين جمَعهم لذلك: ﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أي: بتأويل هذا المنام ﴿ فَأَرْسِلُونِ ﴾ أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام: فبعثوا، فجاءه فقال: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا ﴾، وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصَّاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾ أي: يأتيكم الخصْب والمطر سبع سنين متواليات، ففسَّر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تُسْتغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر.
ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: ﴿ فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ أي: مهما استغللتم[2] في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلًا قليلًا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهُنَّ السبع السنين المُحْل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهُنَّ البقرات العِجاف اللاتي يأكلن السِّمان؛ لأن سِنِي الجَدْب يؤكل فيها ما جَمَعَوه في سِنِي الخصب، وهُنَّ السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهن لا يُنبتن شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء؛ ولهذا قال: ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴾.
الآية (49): ثم بشَّرهم بعد الجَدْب العامِّ المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ﴿ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ﴾ أي: يأتيهم الغيث، وهو المَطرُ، وتُغلّ البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من: زيت ونحوه، وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا. قال ابن عباس: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾: يحلبون.
الآية (50): يقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه، التي كان رآها، بما أعجبه وأيْنَقَهُ، فعرف فضل يوسف عليه السلام وعِلْمه، وحُسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضِروه.
فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نُسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلمًا وعدوانًا، قال: ﴿ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾.
وقد وردت السُّنَّةُ بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعُلُوّ قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة:260]، ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبثَ يوسف لأجبتُ الداعي» [متفق عليه].
الآية (51): قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ إخبار عن الملك حين جمع النّسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطبًا لهن كلهن -وهو يريد امرأة العزيز-: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ أي: شأنكن وخبركن ﴿ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ يعني: يوم الضيافة؟ ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾ أي: قالت النسوة جوابًا للملك: حاش لله أن يكون يوسف مُتَّهَمًا، والله ما علمنا عليه من سوء. فعند ذلك ﴿ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: تقول: الآن تبيَّن الحق وظهر وبرز. ﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ أي: في قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ [يوسف:26].
الآية (52): ﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ذلك ليعلم زوجي أن لم أخُنْه في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع؛ فلهذا اعترفتُ ليعلم أني بريئة ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾.