الآية (52-56): ﴿ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ أي: خائفون. وقد ذَكَر سبب خوفه منهم لَـمَّا رأى أيديهم لا تصل إلى ما قرَّبَه لهم ضيافةً، وهو العجل السمين الحنيذ.
﴿ قَالُوا لَا تَوْجَلْ ﴾ أي: لا تخف ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ [الذاريات:28] وهو إسحاق عليه السلام، كما تقدَّم في سورة هود.
ثم قال متعجِّبًا من كِبَره وكِبَر زوجته ومتحقِّقًا للوَعْد: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ فأجابوه مُؤَكِّدِين لِـمَا بشَّرُوه به تحقيقًا وَبِشَارَةً بعد بِشَارَةٍ، ﴿ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ ﴾ فأجابهم بأنه ليس يَقْنَط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كَبِر وأَسَنَّت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.
الآية (57-60): يقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم عليه السلام لَـمَّا ذَهَب عنه الرَّوع وجاءته البشرى: إنه شَرَع يسألهم عمَّا جاؤوا له، فقالوا: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ يعنون: قوم لوط. وأخبروه أنهم سَيُنَجُّون آلَ لوط من بينهم إلا امرأتَه فإنها من الـمُهْلَكِين؛ ولهذا قالوا: ﴿ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ﴾ أي: الباقين المهلكين.
الآية (61-64): يخبر تعالى عن لوط لَـمَّا جاءته الملائكة في صورة شباب حِسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴿٦٢﴾ قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ يعنون: بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكُّون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم، ﴿ وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الحجر:8].
وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به، من نجاته وإهلاك قومه.
الآية (65-66): يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يَسري بأهله بعد مُضِيّ جانبٍ من الليل، وأن يكون لوط عليه السلام يمشي وراءهم؛ ليكون أحفظَ لهم. وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزو، وإنما يكون سَاقَةً، يُزْجِي الضعيف، ويَحْمِل الـمنقطعَ.
وقوله: ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حلَّ بهم من العذاب والنكال، ﴿ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم السبيل، ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ ﴾ أي: تقدَّمنا إليه في هذا، ﴿ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾ أي: وقت الصباح؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ [هود:81].
الآية (67-70): يُخبِر تعالى عن مجيء قوم لوط لَـمَّا علموا بأضيافه وصَبَاحَةِ وجوههم، وأنهم جاؤوا مستبشرين بهم فرحين.
﴿ قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ ﴿٦٨﴾ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴾ وهذا إنما قاله لهم قبل أن يَعلَم بأنهم رُسُل الله -كما قال في سياق سورة هود[1]- وأما ههنا فتقدَّم ذِكرُ أنهم رسل الله، وعَطَف بذِكر مجيء قومه ومُحاجَّته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دلَّ دليل على خلافه. فقالوا له مجيبين: ﴿ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: أَوَما نهيناك أن تُضِيفَ أحدًا؟!