حجم الخط:

الآيات (97-104)

الآية (97): يقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه، ونفوذ حكمه، وأنه لا مُعقِّبَ له، بأنه من يهده فلا مضلّ له ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ أي: يهدونهم؛ كما قال: ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]. وقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، كيف يُحشر الناس على وجوههم؟ قال: «الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيَهم على وجوههم» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ عُمْيًا أي: لا يبصرون ﴿ وَبُكْمًا يعني: لا ينطقون ﴿ وَصُمًّا أي: لا يسمعون. وهذا يكون في حال دون حال؛ جزاءً لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًّا عن الحق، فَجُوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه. قوله: ﴿ مَأْوَاهُمْ أي: منقلبهم ومصيرهم ﴿ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ قال ابن عباس: سكنت. وقال مجاهد: طَفِئَتْ. ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا أي: لهبًا ووهجًا وجمرًا، كما قال: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ:30].

الآية (98-99): يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به، من البعث على العمى والبكم والصمم، جزاؤهم الذي يستحقونه؛ لأنهم كذبوا ﴿ بِآيَاتِنَا أي: بأدلّتنا وحُجَجِنا، واستبعدوا وقوع البعث ﴿ وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أي: بالية نخرة ﴿ أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أي: بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك، والتفرق والذهاب في الأرض نُعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم، ونبّههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك؛ كما قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ الآية [الأحقاف:33]. وقال: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨٢ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:81-83]، وقال ههنا: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم. وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:104]. قوله: ﴿ فَأَبَى الظَّالِمُونَ أي: بعد قيام الحجة عليهم ﴿ إِلَّا كُفُورًا إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم.

الآية (100): يقول تعالى لرسوله : قل لهم يا محمد: لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتُم خشية الإنفاق. أي الفقر؛ أي: خشية أن تُذهبوها، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا أي: بخيلًا مَنُوعًا. وقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [النساء:53] أي: لو أن لهم نصيبًا في ملك الله لما أعطَوا أحدًا شيئًا، ولا مقدار نَقِير!! والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وهداه؛ فإن البخل والجزع والهلع صفة له؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١ إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:19-22].

ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين: «يد الله ملأَى لا يَغيضُها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه».

الآية (101-103): يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي: العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطُّوفَان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي. أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وما نَجَعَتْ فيهم، فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا، وقالوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء:90] إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله؛ كما قال فرعون لموسى -وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات-: ﴿ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا قيل: بمعنى ساحر. فهذه الآيات التسع هِيَ الْـمُرَادَةُ هَهُنَا، وَهِيَ الْـمَعْنِيَّةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴿١٠ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [النمل:10-12]. فذَكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبيَّن الآيات الباقيات في «سورة الأعراف» وفصَّلها.

وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أُخرَ كثيرة، منها ضربُه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصـر، ولكن ذَكَرَ ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصـر، فكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا. ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ أي: حججًا وأدلة على صدق ما جئتك به ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا أي: هالكًا قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس: ملعونًا. وقال أيضًا هو والضحاك: مغلوبًا. والهالك يشمل هذا كله. قوله: ﴿ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي: يُخْلِيَهم منها ويُزيلَهم عنها ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا .

الآية (104): ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ في هذا بشارة لمحمد بفتح مكة مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع؛ فإن أهل مكة همُّوا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا الآيتين [الإسراء:76]؛ ولهذا أورث الله رسوله مكة، فدخلها عَنْوةً على أشهر القولين، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث الله القوم الذين كانوا يُستضعَفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال: ﴿ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:59] وقال ههنا: ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا أي: جميعكم أنتم وعدوكم.