الآية (16): فلمّا وَقَع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم ﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي: يَبسُط عليكم رحمةً يَستُرُكم بها من قومكم، ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ ﴾ الذي أنتم فيه ﴿ مِرْفَقًا ﴾ أي: أمرًا تَرْتَفِقُونَ به. فعند ذلك خرجوا هُرابًا إلى الكهف، فأووا إليه، فَفَقَدَهم قومهم من بين أظهرهم، وتَطَلَّبهم الملك فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعَمَّى الله عليه خَبَرَهم. كما فَعَل بنبيه محمد ﷺ وصاحبه الصِّدِّيق، حين لجآ إلى غار ثور.
الآية (17): أخبرَ أن الشمس إذا دَخَلته عند طلوعها تَزَاوَر عنه ﴿ ذَاتَ الْيَمِينِ ﴾ أي: يَتَقَلَّصُ الفَيْءُ يَمْنَةً، كما قال ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة: ﴿ تَزَاوَرُ ﴾ أي: تَـمِيلُ؛ وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿ تَقْرِضُهُمْ ﴾ تَتْرُكُهُم.
وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبُّره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي. وقد تَكَلَّف بعض المفسِّرين فذَكَروا فيه أقوالًا، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله ورسوله إليه، فقد قال رسول الله ﷺ: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار، إلا وقد أعلمتكم به» [رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني]. فأعلمَنا تعالى بصفته، ولم يُعلمْنا بمكانه. ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ﴾ أي: في مُتَّسَع منه داخلًا، بحيث لا تَـمَسُّهُم؛ إذ لو أصابتهم لأَحرَقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس. ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ حيث أرشدهم تعالى إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾.
ثم قال: ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ الآية، أي: هو الذي أَرشَد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم؛ فإنه من هداه الله اهتدى، ومن أضلَّه فلا هادي له.
الآية (18): ذكر بعض أهل العلم أنهم لَـمَّا ضَرَب الله على آذانهم بالنوم، لم تَنطَبِق أعينهم؛ لئلا يُسرِع إليها البِلَى، فإذا بَقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ﴾. وقوله: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ قال ابن عباس: لو لم يُقلبوا لَأَكْلَتْهُم الأرض. ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾ الوصيد: الفِنَاء، وقال ابن عباس: بالباب، وقيل: بالصعيد، وهو التراب. والصحيح أنه بالفناء، وهو الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [الهمزة:8] أي: مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ. رَبَضَ كلبهم على الباب كما جَرَتْ به عادة الكلاب. وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن «الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب» [متفق عليه]، وشَمَلَتْ كَلْبَهُم بَرَكَتُهُم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال. وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذِكْر وخَبَر وشَأْن. وقوله: ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نَظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لِـمَا أُلْبِسُوا من المهابة والذُّعْرِ، لئلا يدنو منهم أحد ولا تَمَسَّهُم يدُ لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رَقدَتُهم التي شاء تبارك وتعالى فيهم، لِـمَا له في ذلك من الحجة والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة.
الآية (19-20): يقول تعالى: وكما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبصارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئًا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾؟ أي: رقدتم، ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تَرَدّد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ ﴾ أي: فِضَّتِكُم هذه. وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها. ﴿ إِلَى الْمَدِينَةِ ﴾ أي: مدينتكم التي خرجتم منها. ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا ﴾ أي: أطيب طعامًا. وقيل: أكثر طعامًا، والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواءً كان قليلًا أو كثيرًا. ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه؛ يقولون: وليَخْتَفِ كل ما يقدر عليه، ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ ﴾ أي: ولا يُعْلِمَنَّ ﴿ بِكُمْ أَحَدًا ﴿١٩﴾ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أي: إن علموا بمكانكم ﴿ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ يخافون منهم أن يَطَّلِعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذِّبُونهم بأنواع العذاب إلى أن يُعِيدُوهم في مِلَّتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العَود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾.