الآية (84): وقوله ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: أعطيناه ملكًا عظيمًا مُـمَكَّنًا؛ فيه له من جميع ما يُؤْتَى الملوك من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحِصَارات؛ ولهذا مَلَكَ المشارق والمغارب من الأرض، ودَانَتْ له البلاد، وخَضَعَت له ملوك العباد، وخَدَمَتْه الأمم، من العرب والعجم؛ ولهذا ذَكَر بعضهم أنَّه إنَّما سُمِّي ذا القرنين لأنه بَلَغَ قرني الشمس: مَشرِقَها ومَغرِبَها. ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ يعني علمًا. ويَسَّرَ الله له الأسباب؛ أي: الطُّرُق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرَّسَاتيق والبلاد والأراضي وكَسْرِ الأعداء، وكَبْتِ ملوك الأرض، وإِذْلَال أهل الشرك. أُوْتِيَ من كلِّ شَيء ممَّا يحتاج إليه مثله سَبَبًا، والله أعلم.
الآية (85-88): قال ابن عباس: ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾ يعني بالسبب: المنزل. وقال مجاهد: ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾: منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب. وفي رواية عن مجاهد: قال: طرفي الأرض. وقال قتادة: أي أَتْبَعَ مَنَازِل الأرض ومَعَالِمَها. وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾ قال: عِلمًا. وهكذا قال عكرمة والسدي. ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ أي: فَسَلَك طريقًا حتى وَصَلَ إلى أقصى ما يُسْلَكُ فِيهِ من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذِّر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة والشمس تَغرُب من ورائه فشيء لا حقيقةَ له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكَذِبِهم. ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ أي: رأى الشمس في مَنْظَرِهِ تَغْرُبُ في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تَغرُب فيه، وهي لا تُفَارِق الفلك الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه. والـحَمِئَة مشتقَّة من «الحمأة» وهو الطين، كما قال: ﴿ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ [الحجر:28] أي: طين أَمْلَس. وقال ابن عباس: «حامية» يعني: حارَّة. وكذا قال الحسن البصري. وقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان. قلت: ولا منافاة بين معنييهما؛ إذ قد تكون حارة لمجاورتها وَهْج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، و﴿ حَمِئَةٍ ﴾ في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره. وقوله: ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ﴾ أي: أمّةً من الأمم.
﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ معنى هذا: أن الله تعالى مَكَّنَه منهم، وحَكَّمَه فيهم، وأَظْفَرَه بهم وخَيَّرَه: إن شاء قَتَل وسَبَى، وإن شاء مَنَّ أو فَدَى. فَعُرِفَ عَدْلُهُ وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: ﴿ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾ أي: من استمرَّ على كفره وشركه بربه ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ قال قتادة: بالقتل. وقوله: ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ﴾ أي: شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا. وفيه إثبات المعاد والجزاء. ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ ﴾ أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿ فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله عز وجل ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾ قال مجاهد: معروفًا.
الآية (89-91): يقول: ثم سَلَكَ طريقًا فسَار من مغرب الشمس إلى مَطلعها. ولَـمَّا انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال تعالى: ﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ ﴾ أي: أمة ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ﴾ أي: ليس لهم بناء يُكِنُّهم، ولا أشجار تُظِلُّهم وتَستُرُهم من حرِّ الشمس. وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ﴾ قال مجاهد والسدي: علمًا، أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض؛ فإنه تعالى: ﴿ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [آل عمران:5].
الآية (92-96): يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين: ﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴾ أي: ثم سَلَكَ طريقًا من مشارق الأرض ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ وهما جبلان مُتَنَاوِحَان[1] بينهما ثُغْرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد التُّرْك، فيَعِيثُون فيهم فَسَادًا، ويُهلِكُون الـحَرْثَ والنَّسْل. ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام، كما ثَبَت في الصحيحين: «إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بَعْثَ النار. فيقول: وما بَعْثُ النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة! فحينئذٍ يشيب الصغير، وتَضَع كل ذات حَمْل حَمْلَها، فيُقَال: إن فيكم أُمَّتَين، ما كانتا في شيء إلا كَثَّرَتاه: يأجوج ومأجوج».
﴿ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ﴾ أي: لاستعجام كلامهم وبُعدِهم عن الناس، ﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ﴾ قال ابن عباس: أجرًا عظيمًا، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالًا يُعطُونَه إياه حتى يَجَعَل بينهم وبينهم سدًّا. فقال ذو القرنين بعِفَّةٍ ودِيَانةٍ وصَلَاح وقَصْدٍ للخير: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه؛ كما قال سليمان عليه السلام: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ﴾ [النمل:36]. وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي: بعَمَلِكم وآلات البناء، ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿٩٥﴾ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ﴾ وَالزُّبَر: جمع زُبْرَة، وهي القطعة منه، وهي كاللَّبِنَة. ﴿ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ﴾ أي: وُضِع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حَاذَى به رءوس الجبلين طُولًا وعَرضًا ﴿ قَالَ انْفُخُوا ﴾ أي: أَجَّجَ عليه النار حتى صار كله نارًا، ﴿ قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسُّدي: هو النُّحَاس. وزاد بعضهم: الـمُذَاب.
الآية (97): يقول تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السَّدِّ، ولا قَدَرُوا على نَقْبِه من أسفله. ولَـمَّا كان الظهور عليه أسهل من نَقْبه قابل كُلًّا بما يُنَاسبه فقال: ﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.
عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه، وهو يقول: «لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقتَرَبَ! فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذا». وحَلَّقَ. قلت: يا رسول الله، أَنَهلِكُ وفينا الصالحون؟! قال: «نعم إذا كَثُرَ الـخَبَثُ» [متفق عليه].