الآية (25): ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل:36]، فكل نبي بَعَثَه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضًا، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غَضَب، ولهم عذاب شديد.
الآية (26-29): يقول تعالى ردًّا على من زَعَمَ أن له -تعالى وتَقَدَّس- ولدًا من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا، ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لا يَتَقَدَّمون بين يديه بأمر، ولا يُخَالِفونه فيما أَمَرَهم به، بل يُبَادِرون إلى فعله، وهو تعالى عِلْمُه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾.
وقوله: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ﴾ كقوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة:255]. ﴿ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ ﴾ أي: من خوفه ورهبته ﴿ مُشْفِقُونَ ﴿٢٨﴾ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ ﴾ أي: من ادَّعَى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، ﴿ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴾ [الزخرف:81].
الآية (30-33): يقول تعالى مُنَبـِّـهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقَهرِه لجميع المخلوقات، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو الـمُسْتَقِلُّ بالخلق، الـمُسْتَبِدُّ[1] بالتدبير، فكيف يَلِيْق أن يُعبَد غيره أو يُشرَك به ما سواه؟ ألم يروا ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ﴾ أي: كان الجميع مُتَّصلًا بعضه ببعض، متلاصق مُتَراكِم، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، فَفَتَقَ هذه من هذه، فجَعَل السموات سبعًا، والأرض سَبعًا، وفَصَل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأَمْطَرَت السماء وأَنْبَتَت الأرض؛ ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: وهم يشاهدون المخلوقات تَحْدُثُ شيئًا فشيئًا عَيَانًا، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ أي: أَصلُ كلِّ الأحياء منه. وكذا قال النبي ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه: «كل شيء خلق من ماء» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ أي: جبالًا أَرسَى الأرض بها وقَرَّرَها وثَقَّلَها؛ ﴿ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ أي: لئلا تَـمِيْدَ بالناس، أي: تَضطرب وتَتَحَرَّك، فلا يَحصُل لهم عليها قرار لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع، فإنه بادٍ للهواء والشمس، ليُشَاهِد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات، والحِكَم والدلالات.
﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا ﴾ أي: ثَغرًا في الجبال، يسلكون فيها طُرُقًا من قُطْر إلى قُطْر، وإقليم إلى إقليم، كما هو المَشاهَد في الأرض، يكون الجبل حائلًا بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيَجعَل الله فيه فجوةً -ثغرةً- ليَسْلُك الناس فيها من ههنا إلى ههنا؛ ولهذا قال: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا ﴾ أي: على الأرض، وهي كالقُبَّة عليها؛ كما قال: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ [ق:6]، والبناء هو نَصْب القُبَّة، كما قال رسول الله ﷺ: «بُنِي الإسلام على خمس» [متفق عليه] أي: خمس دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام على ما تعهده العرب.
﴿ مَحْفُوظًا ﴾ أي: عاليًا محروسًا أن يُنال. وقال مجاهد: مرفوعًا.
وقوله: ﴿ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ﴾، كقوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف:105] أي: لا يَتَفَكَّرون فيما خَلَق الله فيها من الاتساع العظيم، والارتفاع الباهر، وما زُيِّنَتْ به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها وفي نهارها، من هذه الشمس التي تَقطَع الفَلَكَ بِكَمَالِه في يوم وليلة، فتَسِيرُ غايةً لا يَعلَمُ قَدْرَها إلا الذي قَدَّرَها وسَخَّرَها وسَيَّرَها.
ثم قال مُنَبـِّـهًا على بعض آياته: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ أي: هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأُنْسِهِ، يَطُول هذا تارةً، ثم يَقصُر أخرى، وعكسه الآخر، ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ هذه لها نُور يَخُصُّها، وفَلَك بذاته، وزمان على حِدَة، وحركة وسَير خاص، وهذا بنور آخر، وفَلَك آخر، وسَير آخر، وتقدير آخر، ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس:40]، أي: يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور الـمِغْزَلُ في الفَلْكَةِ. وكذا قال مجاهد: فلا يدور الـمِغْزَلُ إلا بالفَلْكَة، ولا الفَلْكَة إلا بالـمِغْزَل، كذلك النجوم والشمس والقمر، لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهنَّ.
الآية (34-35): يقول تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ أي: يا محمد ﴿ الْخُلْدَ ﴾ أي: في الدنيا، بل ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن:26-27]. وقد اسْتَدَلَّ بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام مات، وليس بحيٍّ إلى الآن؛ لأنه بَشَر، سواءً كان وليًّا أو نبيًّا أو رسولًا، وقد قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ﴾.
وقوله: ﴿ أَفَإِنْ مِتَّ ﴾ أي: يا محمد ﴿ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾؟! أي: يُؤَمِّلُون أن يعيشوا بعدك، لا يكون هذا، بل كلٌّ إلى الفناء؛ ولهذا قال: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾.
وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ أي: نَختَبِرُكم بالمصائب تارةً، وبالنِّعَم أخرى، فنَنْظُر من يَشْكُر ومن يَكْفُر، ومن يَصبِر ومن يَقنَط، كما قال ابن عباس: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ ﴾ يقول: نَبْتَلِيكم ﴿ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ بالشدة والرخاء، والصحة والسَّقَم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية والهدى والضلال.
وقوله: ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ أي: فنُجَازِيكم بأعمالكم.