الآية (16): ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ أي: القرآن ﴿ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجةً من الله على الناس ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ﴾ أي: يُضِلُّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وله الحكمة التَّامَّة والحجة القاطعة في ذلك، ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء:23]، أما هو فلحكمته ورحمته وعدله، وعلمه وقهره وعظمته، لا مُعَقِّب لحكمه، وهو سريع الحساب.
الآية (17): يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود والصابئين -وقد قدَّمنا في سورة «البقرة»[1] التعريف بهم، واختلافَ الناس فيهم- والنصارى والمجوس، والذين أشركوا فعبدوا مع الله غيره؛ فإنه تعالى ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ﴾ ويحكم بينهم بالعدل، فيُدْخِل من آمن به الجنَّةَ، ومن كَفَر به النارَ؛ فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حَفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم، وما تُكِنُّ ضمائرهم.
الآية (18): يخبر تعالى أنه الْـمُسْتَحِقُّ للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طَوعًا وكَرهًا، وسجود كل شيء ممَّا يختصُّ به، كما قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل:48]. وقال ههنا: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء:44].
وقوله: ﴿ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ ﴾: إنما ذَكَر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عُبدَت من دون الله، فبَيَّنَ أنها تَسجُد لخالقها، وأنها مربوبة مسخَّرة، ﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت:37]. وفي الصحيحين عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدري أين تذهب هذه الشمس؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيُوشِك أن يُقَال لها: ارجعي من حيث جِئت». وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يُؤذَن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه.
وأما الجبال والشَّجَر فسجودهما بفَيء ظِلَالهما عن اليمين والشمائل. ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ أي: الحيوانات كلها. ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ أي: يسجد لله طَوعًا مختارًا متَعبدًا بذلك، ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ ﴾ أي: ممَّن امتنع وأبى واستكبر، ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابنُ آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا وَيْلَه. أُمِرَ ابن آدم بالسجود فَسَجَد، فله الجنة، وأمِرتُ بالسجود فأَبَيْتُ، فلي النار» [رواه مسلم].
الآية (19-22): [سبب النزول]: في الصحيحين عن أبي ذر؛ أنه كان يُقسِم قسمًا أن هذه الآية: ﴿ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ نَزَلَت في حمزة وصاحِبَيه، وعُتبةَ وصاحبيه، يوم برزوا في بدر، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يَجثُو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: عليّ وحمزة وعُبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد بإخراجه البخاري. وعن قتادة: مصدق ومكذب. وقال مجاهد وعطاء: هم المؤمنون والكافرون. وقولُهما يشمل الأقوال كلها، ويَنتَظِم فيه قصة يوم بدر وغيرها؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلانَ الحق وظهور الباطل. وهذا اختيار ابن جرير وهو حَسَن؛ ولهذا قال: ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ﴾ أي: فُصِّلَت لهم مقطعات من نار. قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشدُّ الأشياء حرارةً إِذا حَمِيَ.
﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿١٩﴾ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴾ أي: إذا صُبَّ على رؤوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة. وقال سعيد بن جبير: هو النحاس الـمُذَاب، أذاب ما في بطونهم من الشَّحْم والأمعاء. قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم. وكذلك تذوب جلودهم.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ وقال ابن عباس: يُضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فَيَدْعُون بالثُّبور.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ﴾ قال سلمان: النار سوداء مظلمة، لا يُضِيء لَـهَبُها ولا جَمْرها، ثم قرأ: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ﴾. وقال الفُضيل ابن عياض: والله ما طَمِعُوا في الخروج، إن الأرجل لَـمُقَيَّدة، وإن الأيدي لَـمُوثَقَة، ولكن يَرفَعُهم لَـهَبُها، وتَرُدُّهم مَقَامعها.
وقوله: ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ كقوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [السجدة:20] ومعنى الكلام: أنهم يُهَانُونَ بالعذاب قولًا وفعلًا.
الآية (23): لَـمَّا أخبر تعالى عن حال أهل النار، عياذًا بالله من حالهم، وما هم فيه من العذاب والنَّكال والحريق والأغلال، وما أُعِدَّ لهم من الثياب من النار، ذَكَرَ حال أهل الجنة -نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة- فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: تتخَرَّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقُصُورها، يُصَرِّفُونها حيث شاؤوا وأين أرادوا، ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا ﴾ من الحلية، ﴿ مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ﴾ أي: في أيديهم، كما قال النبي ﷺ: «تَبلُغُ الحِلْيَة من المؤمن حيث يَبْلُغ الوُضُوء» [متفق عليه].
وقوله: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ في مقابلة ثياب أهل النار التي فُصِّلَت لهم، لباسُ هؤلاء من الحرير، إِسْتَبْرَقه وسُنْدُسه، كما قال: ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [الإنسان:21].