حجم الخط:

الآيات (14-21)

الآية (14-17): لَـمَّا ذكر تعالى مبدأ أمر موسى عليه السلام ذَكَر أنه لَـمَّا بَلَغ أشُدَّه واستوى، آتاه الله حكمًا وعلمًا، قال مجاهد: يعني النبوة. ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .

ثم ذَكَر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قَدَّر له من النبوة والتَّكليم في قضية قَتْلِه ذلك القِبْطيِّ، الذي كان سَبَب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مَدْيَن، فقال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ أي: يتضاربان ويتنازعان.

﴿ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ أي: إسرائيلي، ﴿ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ أي: قِبطي، قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق.

فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام، وَوَجَد موسى فُرصَةً، وهي غفلة الناس، فعَمِدَ إلى القِبطي ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ ؛ قال مجاهد: وَكَزَه أي: طَعَنه بجُمْع كَفِّه. وقال قتادة: وَكَزَه بعصا كانت معه.

﴿ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ أي: كان فيها حَتْفُه فمات. ﴿ قَالَ موسى: ﴿ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴿١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أي: بما جَعَلْتَ لي من الجاه والعِزَّة والـمَنَعَة ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا أي: مُعينًا ﴿ لِلْمُجْرِمِينَ أي: الكافرين بك، المخالفين لِأَمْرِك.

الآية (18-19): يقول تعالى مُخْبِرًا عن موسى لَـمَّا قَتَل ذلك القِبطيَّ أنه أصبحَ ﴿ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا أي: من مَعَرّة ما فَعَل ﴿ يَتَرَقَّبُ أي: يتَلَفَّتُ ويَتَوَقع ما يكون من هذا الأمر.

فمَرَّ في بعض الطُّرُق ﴿ فَإِذَا ذاك ﴿ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ على ذلك القِبطي يُقَاتِل آخرَ، فلمَّا مَرَّ موسى استصرخه على الآخر، فقال له موسى: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أي: ظاهر الغواية كَثِير الشر. ثم عَزَم على البَطْش بذلك القِبطيِّ، فاعتقد الإسرائيلي لِـخَوَرِه وضَعْفِه وذِلَّته أن موسى إنَّما يُريد قَصْدَه لَـمَّا سَمِعَه يقول ذلك، فقال يَدْفَع عن نفسه: ﴿ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ؛ وذلك لأنه لم يَعلَم به إلا هو وموسى عليه السلام، فلمَّا سَمعَها ذلك القِبطي لقَفَها من فَمِه، ثم ذَهَب بها إلى باب فرعون فأَلْقَاهَا عنده، فعَلِمَ بذلك، فاشْتَدَّ حَنَقُه، وعَزَمَ على قَتْل موسى، فطَلَبُوه وبَعَثُوا وراءه ليُحْضِرُوه لذلك.

الآية (20): قال تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ وَصَفَه بالرّجُولية لأنه خالف الطريق، فسَلَك طريقًا أَقْرَبَ من طريق الذين بُعِثُوا وراءه، فسَبَقَ إلى موسى.

﴿ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي: يتشاورون فيك ﴿ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ أي: من البلد ﴿ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ .

الآية (21): لَـمَّا أَخْبَره ذلك الرجل بما تَـمَالَأ عليه فرعون ودولته في أمره، خَرَج من مصر وَحدَه، ولـم يَألَفْ ذلك قلبه، بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة.

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ أي: يَتَلَفَّتُ ﴿ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: من فرعون وملئه. فذكروا أن الله سبحانه وتعالى بعث إليه ملكًا على فرس فأرشده إلى الطريق، فالله أعلم.