حجم الخط:

الآيات (25-51)

الآية (25-26): يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ أي: كما زعمتم أنكم جميع منتصر، ﴿ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ أي: منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه.

الآية (27-32): يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دَرَكات النار، ﴿ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ٤٧ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47، 48] قالوا لهم ههنا: ﴿ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قال ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنّا كنا أذلّاء وكنتم أعزّاء. وقال مجاهد: يعني: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين. وقال قتادة: قالت الإنس للجن: ﴿ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قال: من قبل الخير، [فتنهوننا] عنه [وتبطئوننا] عنه. وقال السُّدي: تأتوننا من قبل الحق، تزينون لنا الباطل، [وتصدوننا] عن الحق. وقال الحسن: إيْ والله، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه. وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أُمرنا به. ﴿ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، ﴿ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق؛ فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم. ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله: إنّا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة، ﴿ فَأَغْوَيْنَاكُمْ أي: دعوناكم إلى الضلالة، ﴿ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ أي: دعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا.

الآية (33-37): ﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أي: الجميع في النار، كل بحسبه، ﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿٣٤ إِنَّهُمْ كَانُوا أي: في الدار الدنيا ﴿ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ أي: يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون. ﴿ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون؟! يعنون رسول الله . قال الله تعالى تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم: ﴿ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ يعني رسول الله جاء بالحق في جميع شرعة الله له من الإخبار والطلب، ﴿ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أي: صدّقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه وأمره كما أخبروا.

الآية (38-47): يقول تعالى مخاطبًا للناس: ﴿ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:1-3]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف. ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ قال قتادة والسدي: يعني الجنة. ثم فسّره بقوله: ﴿ فَوَاكِهُ أي: متنوعة ﴿ وَهُمْ مُكْرَمُونَ أي: يُخْدَمون ويُرَفّهون ويُنعَّمون ﴿ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿٤٥ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴿٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ كما قال: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴿١٧ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿١٨ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [الواقعة:17-19]، فنزّه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغَول- وذهابها بالعقل جملة، فقال ههنا: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿٤٥ بَيْضَاءَ أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء، أي: لونها مُشرق حسَن بهىّ، لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، مِن حُمرة أو سواد أو اصفرار أو كُدُورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم. ﴿ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي: طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك. ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ يعني: لا تؤثر فيهم غَولًا، وهو وجع البطن-قاله مجاهد- كما تفعله خمر الدنيا من القُولَنْج ونحوه، لكثرة مائيتها. وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن. وعن السُّدي: لا تغتال عقولهم. وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد. ﴿ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ قال مجاهد: لا تذهب عقولهم. وقال الضحاك عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السُّكْر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنزَّهها عن هذه الخصال.

الآية (48-49): ﴿ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس. قوله: ﴿ عِينٌ أي: حِسان الأعين. وقيل: ضخام الأعين. وهو يرجع إلى الأول، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة. ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ وصفهن بِتَرَافَةِ الأبدان بأحسن الألوان. قال ابن عباس: اللؤلؤ المكنون. وقال الحسن: يعني: [مصون] لم تمسه الأيدي. وقال السُّدي: البيض في عشه مكنون. وقال عطاء الخراساني: هو السِّحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة. وقال السُّدي: بياض البيض حين يُنزع قِشره. واختاره ابن جرير لقوله: ﴿ مَكْنُونٌ ، قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها.

الآية (50-51): يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها، وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السُّرُر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ قال مجاهد: يعني شيطانًا. وقال ابن عباس: هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا. ولا تنافي؛ فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلامًا تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاونان، وكل منهما يوسوس.