حجم الخط:

الآيات (31-51)

الآية (31-37): قال الله مُخْبِرًا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٤ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴿٧٥ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود:74-76]. وقال ههنا: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي: ما شأنكم؟ وفيمَ جئتم؟

﴿ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعنون: قوم لوط ﴿ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ﴿٣٣ مُسَوَّمَةً أي: مُعَلَّمَةً ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ أي: مُكْتَتَبة عنده بأسمائهم، كلُّ حَجَر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: ﴿ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت:32].

وقال ههنا: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته، ﴿ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ احتجَّ بهذه من ذَهَب إلى رأي المعتزلة، ممَّن لا يفرِّق بين مُسمَّى الإيمان والإسلام؛ لأنه أَطْلَقَ عليهم المؤمنين والمسلمين.

وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قومًا مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان ههنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال.

وقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ أي: جعلناها عبرةً، لِـمَا أَنزَلْنا بهم من العذاب والنَّكال وحِجَارة السجيل، وجعلنا مَحلَّتْهم بُحيرةً مُنتنةً خبيثةً، ففي ذلك عبرةٌ للمؤمنين الذين ﴿ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ .

الآية (38-46): يقول تعالى: ﴿ وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: بدليل باهر وحجة قاطعة.

﴿ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ أي: فأعرض فرعون عمَّا جاءه به موسى من الحقِّ المبين، استكبارًا وعنادًا. وقال مجاهد: تَعَزَّزَ بأصحابه. وقال قتادة: غَلَبَ عدُوُّ الله على قومه. وقال ابن زيد: ﴿ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ أي: بجُمُوعِه التي معه، ثم قرأ: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80].

والمعنى الأول قوي؛ كقوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9] أي: مُعْرِض عن الحق مُسْتَكْبِر.

﴿ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرًا أو مجنونًا، قال الله تعالى: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ أي: ألقيناهم ﴿ فِي الْيَمِّ وهو البحر، ﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ أي: وهو مَلوم كافر جاحد فاجر معاند.

ثم قال: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ أي: الـمُفسِدَة التي لا تنتج شيئًا. قاله الضحاك وقتادة وغيرهما.

ولهذا قال: ﴿ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ أي: مـمَّا تُفْسِدُه الريح ﴿ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ أي: كالشيء الهالك البالي. قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ قالوا: هي الجنوب.

وقد ثَبَتَ عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عاد بالدَّبُور[1]» [متفق عليه].

﴿ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ قال ابن جرير: يعني إلى وقت فَناء آجالكم. والظاهر أن هذه كقوله: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ [فصلت:17].

وهكذا قال ههنا: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ ﴿٤٣ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بُكْرَة النهار.

﴿ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ أي: مِن هَرَبٍ ولا نهوض، ﴿ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ أي: ولا يقدرون على أن ينتصروا ممَّا هم فيه.

وقوله عز وجل: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ وكل هذه القصص قد تقدَّمت في أماكن كثيرة، من سور متعدِّدة.

الآية (47-51): يقول تعالى مُنَـبِّهًا على خَلْق العالم العُلْوي والسُّفْلي: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا أي: جعلناها سقفًا محفوظًا رفيعًا ﴿ بِأَيْدٍ أي: بقوةٍ؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد، ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي: قد وَسَّعْنَا أرجاءها وَرَفَعْنَاها بغير عَمَد، حتى اسْتَقَلَّتْ كما هي. ﴿ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا أي: جعلناها فراشًا للمخلوقات، ﴿ فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ أي: وجعلناها مَهْدًا لأهلها.

﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبَرّ وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتعلموا أن الخالق واحدٌ لا شريك له.

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي: الجؤوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ .

﴿ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ أي: لا تُشْركوا به شيئًا، ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ .