حجم الخط:

الآيات (13-26)

الآية (13-14): قال تعالى منبهًا على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أي: بما خطر في القلوب. ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟! أي: ألا يعلم الخالق؟! وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟! والأول أولى لقوله: ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .

الآية (15-16): ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم، بأن جعلها قارَّة ساكنة لا تميد ولا تضطرب؛ بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار، فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يُجدي عليكم شيئًا، إلا أن يُيَسّـره الله لكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل، كما روى عمر بن الخطاب قال إنه سمع رسول الله يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تَغْدُو خِمَاصًا وتَرُوح بِطَانًا» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصحح إسناده أحمد شاكر ]. فأثبت لها رواحًا وغدوًّا لطلب الرزق، مع توكلها على الله عز وجل، وهو المسَخِّر المسيّر المسبب. ﴿ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أي: المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ﴿ مَنَاكِبِهَا أطرافها وفجاجها ونواحيها. وقال ابن عباس وقتادة: ﴿ مَنَاكِبِهَا الجبال. وقال أبو الدرداء: هي الجبال.

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ هذا أيضًا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:45].

﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أي: تذهب وتجيء وتضطرب.

الآية (17-19): ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا أي: ريحًا فيها حصباء تدمغكم؛ كما قال: ﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء:68]. وهكذا توعدهم ههنا بقوله: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذّب به. ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: من الأمم السابقة والقرون الخالية، ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! أي: عظيمًا شديدًا أليمًا. ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء، وتارة تجمع جناحًا وتنشر جناحًا، ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ أي: في الجو ﴿ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ أي: بما سخر لهن من الهواء، من رحمته ولطفه، ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته. وهذه كقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا [النحل:79].

الآية (20-21): يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره، يبتغون عندهم نصرًا ورزقًا، مُنكِرًا عليهم فيما اعتقدوه، ومُخبرًا لهم أنه لا يحصل لهم ما أمَّلوه، فقال: ﴿ أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ أي: ليس لكم من دونه من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره؛ ولهذا قال: ﴿ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ . ثم قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ؟! أي: من هذا الذي إذا قطع الله رزقه عنكم يرزقكم بعده؟! أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق، وينصر إلا الله عز وجل وحده لا شريك له، أي: وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره؛ ولهذا قال: ﴿ بَلْ لَجُّوا أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ﴿ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ أي: في معاندةٍ واستكبارٍ ونفورٍ على أدبارهم عن الحق، لا يسمعون له ولا يتبعونه.

الآية (22-24): ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر؛ فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مُكبًّا على وجهه، أي: يمشي منحنيًا لا مستويًا على وجهه، أي: لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب. بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى ﴿ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أي: منتصب القامة ﴿ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟! أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة. هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة. فالمؤمن يُحشر يمشي سويًّا على صراط مستقيم، مُفْضٍ به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم، ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢ مِنْ دُونِ [الصافات:22-23]. عن أنس قال: قيل: يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرًا على أن يمشيهم على وجوههم» [متفق عليه]. ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي: العقول والإدراك، ﴿ أي: قلَّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره. ﴿ أي: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم وحِلاكم[1] وأشكالكم وصوركم. ﴿ أي: تُجمَعون بعد هذا التفرق والشتات؛ يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم.

الآية (25-26): ثم قال مخبرًا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه: ﴿ أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق؟! ﴿ أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله عز وجل، ولكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه، ﴿ وإنما عليَّ البلاغ، وقد أدّيته إليكم.