حجم الخط:

[التفسير]

الآية (1-4): ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ التطفيف: البَخْس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قَضَاهم. ولهذا فَسَّرَ تعالى المطففين الذين وَعَدَهم بالـخَسَار والهَلاك -وهو الويل- بقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ أي: من الناس ﴿ يَسْتَوْفُونَ أي: يأخذون حَقَّهم بالوافي والزائد، ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أي: يَنْقُصُون. وقد أَمَر تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [الإسراء:35]، وقال: ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن:9]. وأَهْلَكَ الله قوم شعيب ودَمَّرهم على ما كانوا يبخَسُون الناس في المكيال والميزان.

ثم قال تعالى مُتَوَعِّدًا لهم: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ؟! أي: أما يخافُ أولئك من البعث والقيام بين يَدَي من يعلم السرائر والضمائر؟!

الآية (5-6): ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الـخَطْب، من خَسِرَ فيه أُدْخِلَ نَارًا حاميةً. ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ أي: يقومون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، في موقف صَعْب حَرج ضيِّق ضَنْك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله ما تَعْجزُ القوى والحواس عنه. عن ابن عمر أن النبي قال: «﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حتى يَغِيبَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصاف أذنيه» [متفق عليه].

الآية (7-17): يقول تعالى حَقًّا ﴿ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ أي: إن مَصِيرهم ومَأْوَاهم ﴿ لَفِي سِجِّينٍ فعيل من السَّجن، وهو الضيق. ولهذا عَظَّمَ أمره، فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ؟! أي: هو أَمْرٌ عظيم، وسِجْن مُقِيم وعذاب أليم. ولَـمَّا كان مصير الفجار إلى جهنم، وهي أسفل السافلين قال: ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ، وهو يجمع الضِّيق والسفول.

﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرًا لقوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ، وإنما هو تفسير لِـمَا كُتِبَ لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يُزَاد فيه أحد ولا يُنْقَص منه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أَوعَدَهم الله من السَّجن والعذاب المهين. وقد تقدَّم الكلام على قوله: ﴿ وَيْلٌ وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار. ثم قال مُفَسِّرًا للمكذبين الفُجَّار الكَفَرة: ﴿ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي: لا يُصَدِّقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أَمْرَه. قال تعالى: ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ أي: مُعْتَدٍ في أفعاله؛ من تَعَاطِي الحرام والمجاوزة في تناول المباح، والأثيم في أقواله: إن حَدَّث كَذَبَ، وإن وَعَدَ أَخْلَفَ، وإن خاصم فَجَر.

﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: إذا سَمِع كلام الله من الرسول يُكَذِّبُ به، ويَظُنُّ به ظَنَّ السوء، فيعتقد أنه مُفْتَعَل مجموع من كتب الأوائل، قال تعالى: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: ليس الأمر كما زَعَموا ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ، وإنما حَجَبَ قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّيْن الذي قد لَبِسَ قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . والرَّيْن يعتري قلوبَ الكافرين، والغَيْمُ للأبرار، والغَيْنُ للمقرَّبين. وعن أبي هريرة، عن النبي قال: «إن العبدَ إذا أَذْنَب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صُقِل قلبه، وإن زاد زادَت، فذلك قول الله: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني].

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ أي: لهم يوم القيامة مَنزلٌ ونُزُلٌ سِجِّينٌ، ثم هُم يوم القيامة مع ذلك مَحْجُوبُون عن رؤية ربهم وخالقهم. قال الإمام الشافعي: في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذٍ. وهذا الذي قاله رحمه الله- في غاية الـحُسْن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دَلَّ عليه منطوق قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]. وكما دَلَّت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عَرَصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة.

﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران، ﴿ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.

الآية (18-28): يقول تعالى حَقًّا ﴿ إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ وهم بخلاف الفجَّار ﴿ لَفِي عِلِّيِّينَ أي: مصيرهم إلى عِلِّيِّينَ، وهو بخلاف سِجِّين. قال ابن عباس: ﴿ عِلِّيِّينَ : الجنة. والظاهر أن عِلِّيِّين مأخوذ من العلو، وكلَّما علا الشيء وارتفع عَظُمَ واتسع؛ ولهذا قال مُعَظِّمًا أمرَه ومُفَخِّمًا شأنه: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ . ثم قال مؤكدًا لِـمَا كُتِبَ لهم: ﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴿٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ وهم الملائكة، قاله قتادة. وقال ابن عباس: يشهده من كل سماء مُقَرَّبُوهَا. ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم، ﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ وهي: السُّرُر تحت الحِجَال، ﴿ يَنْظُرُونَ قيل: معناه: ينظرون في مُلكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يَبِيدُ. وقيل: معناه: ﴿ يَنْظُرُونَ إلى الله عز وجل. وهذا مقابلة لِـمَا وُصف به أولئك الفجار: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فذَكَرَ عن هؤلاء أنهم يُبَاحُون النظر إلى الله عز وجل وهم على سُرُرِهم وفُرُشهم.

﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي: تعرف إذا نَظَرْتَ إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدَّعَة والرياسة؛ ممّا هم فيه من النعيم العظيم. ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ أي: يُسْقَوْن من خمر من الجنة. والرحيق: من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وقوله: ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ قال ابن مسعود: أي: خَلْطُهُ مسك. وقال ابن عباس: طَيَّبَ الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جُعِل فيها مسك، خُتِم بمسك. وكذا قال قتادة والضحاك. ﴿ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ أي: وفي مثل هذا الحال فلْيَتَفَاخَر المتفاخرون، وليَتَبَاهَ ويُكَاثِر ويَسْتَبِق إلى مثله الـمُسْتَبِقُون.

﴿ وَمِزَاجُهُ أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف ﴿ مِنْ تَسْنِيمٍ ، أي: من شراب يُقال له: تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه. قاله أبو صالح والضحاك. ولهذا قال: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ أي: يَشرَبها المقربون صِرْفًا، وتُمزَجُ لأصحاب اليمين مَزجًا. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم.

الآية (29-33): يُخْبِر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا ﴿ يَضْحَكُونَ من المؤمنين، أي: يستهزؤون بهم ويَحتَقِرُونهم، وإذا مَرُّوا بالمؤمنين يَتَغَامزون عليهم، أي: مُحْتَقِرين لهم.

﴿ وَإِذَا انْقَلَبُوا أي: إذا انقلب، أي: رَجَع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وَجَدوا، ومع هذا ما شَكَروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يَحْتَقِرونهم ويحسدونهم، ﴿ أي: لكونهم على غير دينهم، قال تعالى: ﴿ أي: وما بُعِث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يَصدُر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كُلِّفوا بهم، فلِمَ اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم؟! كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ ﱿ [المؤمنون: 109 -111].

الآية (34-36): ﴿ يعني: يوم القيامة ﴿ أي: في مقابلة ما ضَحِكَ بهم أولئك.

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ أي: إلى الله عز وجل في مقابلة من زَعَم فيهم أنهم ضالُّون، ليسوا بضالِّين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. قوله: ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ؟! أي: هل جُوزِيَ الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟! يعني: قد جُوزُوا أوفر الجزاء وأَتَـمَّهُ وأكْمَلَه.