حجم الخط:

[التفسير]

الآية (1-15): ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وذلك يوم القيامة، ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا أي: استَمَعَتْ لربها وأطاعَتْ أَمْرَه فيما أَمَرَها به من الانشقاق، ﴿ وَحُقَّتْ أي: وحُقَّ لها أن تُطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يُمانَع ولا يُغَالَب، بل قد قَهَر كلَّ شيء وذَلَّ له كلُّ شيء.

﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أي: بُسِطَت وفُرشَت وَوُسِّعَت.

﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ أي: أَلْقَتْ ما في بطنها من الأموات، وتَخَلَّتْ منهم. قاله مجاهد وسعيد وقتادة. ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ كما تقدَّم.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا أي: ساعٍ إلى ربك سعيًا، وعامل عملًا ﴿ فَمُلَاقِيهِ ، ثم إنك ستلقى ما عملتَ من خير أو شر. ومن الناس من يُعِيد الضمير على قوله: ﴿ رَبِّكَ أي: فملاقٍ ربَّك، ومعناه: فيُجَازيك بعَمَلك ويُكافِئك على سَعيك. وعلى هذا فكِلا القولين متلازم. قال ابن عباس: يقول: تعمل عملًا تَلقَى الله به، خيرًا كان أو شرًّا. وقال قتادة: إن كَدْحَكَ -يا ابن آدم- لضعيف، فمن استطاع أن يكون كَدْحُه في طاعة الله فليَفْعَل، ولا قوة إلا بالله.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا أي: سهلًا بلا تعسير، أي: لا يُحَقِّقُ عليه جَميع دقائق أعماله؛ فإن من حُوسِبَ كذلك يَهْلِك لا محالة. عن عائشة قالت: قال رسول الله : «من نُوِقِشَ الحساب عُذِّب». قالت: فقلت: أليس قال الله: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ؟! قال: «ليس ذاكِ بالحساب، ولكن ذلك العَرْض، من نُوقِشَ الحساب يوم القيامة عُذِّب» [متفق عليه].

﴿ وَيَنْقَلِبُ أي: ويَرجع ﴿ إِلَىٰ أَهْلِهِ في الجنة. قاله قتادة والضحاك.

﴿ مَسْرُورًا أي: فرحان مُغتبِطًا بما أعطاه الله عز وجل.

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ أي: بشماله من وراء ظهره، تُثْنى يده إلى ورائه ويُعطَى كتابه بها كذلك، ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا خَسَارًا وهلاكًا، ﴿ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ﴿١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا فَرِحًا لا يُفَكِّر في العواقب، ولا يَخَاف ممَّا أمامه، فأَعْقَبَه ذلك الفَرَحُ اليسيرُ الحزنَ الطويلَ؛ ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يُعِيدُه بعد موته. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. والحَوْرُ: هو الرجوع.

﴿ بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا يعني: بلى سيُعِيدُه الله كما بَدَأه، ويُجَازيه على أعماله خيرها وشرها؛ فإنه ﴿ كَانَ بِهِ بَصِيرًا أي: عليمًا خبيرًا.

الآية (16-24): رُوي عن عليٍّ وابن عباس وغيرهم أنهم قالوا: الشَّفَق: الـحُمْرَة. فالشَّفَق هو: حُمْرَة الأُفُق إِمَّا قبل طلوع الشمس -كما قاله مجاهد- وإما بعد غروبها -كما هو معروف عند أهل اللغة.

قال الخليل بن أحمد: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق.

وصَحَّ عن مجاهد أنه قال: الشَّفَق: النهار كله. وعنه: الشَّفَق: الشمس. وإنما حَمَلَه على هذا قَرْنهُ بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ أي: جَمَع. كأنه أقسم بالضياء والظلام. وقال ابن جرير: أقسم الله بالنهار مُدْبرًا، وبالليل مُقْبلًا. وقال ابن جرير: وقال آخرون: الشَّفَق اسم للحُمْرَة والبياض. وقالوا: هو من الأضداد.

﴿ وَمَا وَسَقَ قال ابن عباس ومجاهد والحسن: وما جَمَع. قال قتادة: وما جَمَع من نَجْم ودابة. وقال عكرمة: ﴿ وَمَا وَسَقَ : ما ساق من ظُلْمة، إذا كان الليل ذَهَب كل شيء إلى مأواه.

﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى. وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم. ومعنى كلامهم: أنه إذا تكامل نوره وأَبْدَرَ، جعله مقابلًا للَّيل وما وَسَق.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قال ابن عباس: «حالًا بعد حال» قال هذا نبيُّكم [رواه البخاري]، وهو محتمل أن يكون ابن عباس أَسْنَدَ هذا التفسير عن النبي ، ويُحْتَمَل أن يكون المراد بهذا نبيَّكم ، والله أعلم. وعن ابن عباس: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قال: محمدٌ . ويُؤَيِّد هذا المعنى قراءةُ عمر وابن مسعود وابن عباس وعامَّة أهل مكة والكوفة: «لَتَرْكَبَنَّ». وعن الشعبي قال: لتركَبَنَّ يا محمد سماءً بعد سماء. وهكذا رُوي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية.

قلت: يعنون ليلة الإسراء. وقال السُّدِّي: أعمال من قبلكم منزلًا بعد منزل. قلت: كأنه أراد معنى الحديث الصحيح: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم» [رواه الترمذي، وصححه الألباني] وهذا محتمل. [وقيل غير ذلك]. قال ابن جرير: والصواب من التأويل قول من قال لَتَرْكَبَنّ أنت -يا محمد- حالًا بعد حال وأمرًا بعد أمر من الشَّدَائد. والمراد بذلك -وإن كان الخطاب إلى رسول الله مُوَجَّهًا- جَميع الناس، وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالًا.

﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ أي: فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟! وما لهم إذا قُرئَتْ عليهم آيات الرحمن وكلامه -وهو هذا القرآن- لا يسجدون إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟! وقوله: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي: من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق، ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم. ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أي: فأخبرهم -يا محمد- بأن الله عز وجل قد أعدَّ لهم عذابًا أليمًا.

الآية (25): ﴿ إِلَّا استثناء منقطع، يعني: لكن ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا أي: بقلوبهم، ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: بجوارحهم، ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ أي: في الدار الآخرة ﴿ غَيْرُ قال ابن عباس: غير منقوص. وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب. وحاصل قولهما أنه غير مقطوع. وقال بعضهم: ﴿ غَيْرُ عليهم. وهذا القول قد أنْكَرَه غير واحد؛ فإن الله عز وجل له الـمِنَّة على أهل الجنة في كل حال وآنٍ ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته، لا بإيمانهم، فله عليهم المنة دائمًا سرمدًا.