(د) زينة الرجل والمرأة في الصلاة:
تكلمنا عن حكم عورة الرجل والمرأة من حيث النظر، وأما حكمها في الصلاة: فذهب جمهور العلماء إلى أن (ستر العورة شـرط في صحة الصلاة).
وقال بعض أصحاب مالك: (ستر العورة واجب وليس بشـرط)، وهذا ما رجحه الشوكاني في (نيل الأوطار).
وقال أكثر المالكية: السترة شـرط مع الذِّكْرِ والقدرة عليها، فإن عجز أو نسـي الستر صحَّت صلاته.
قلت: وأصـرح دليل على الشـرطية قوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»[1]. والمقصود بالحائض أي: التي بلغت المحيض.
واعلم أن العلماء أطلقوا في هذا الباب: (ستر العورة)، ولكن الأولى أن يقال: (لباس الصلاة)، أو (زينة الصلاة)؛ لقوله تعالى: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف:31]، ولأن الستر المأمور به في الصلاة يختلف عن عورة النظر، وقد تقدم الكلام على عورة النظر، وأما زينة الصلاة فهي على النحو الآتي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شـيء»[2]. «والعاتق»: ما بين المنكبين إلى أصل العنق (وهو المعروف بالكتف).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إذا صليت في ثوب واحد؛ فإن كان واسعًا فالتَحِفْ به، وإن كان ضـيقًا فاتزِرْ به»[3]. وعلى هذا فإنه يجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد، وهذا الثوب إن كان واسعًا جعل طرفيه على عاتقيه ملتحفًا به، وإن كان ضـيقًا جعله إزارًا فقط أي شده على وسطه.
ولكن الأفضل للرجل أن يصلي في ثوبين: أحدهما يغطى عورته، والثاني يكون على أعاليه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلًا سأل النبي ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال: «أوَلكلكم ثوبان؟»[4]، وزاد البخاري في رواية: «ثم سأل رجل عمر؛ فقال: إذا وسع الله فأوسعوا، جمع رجلٌ عليه ثيابه، صلى رجلٌ في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سـراويلَ وقميص، في سـراويل وقباء، في تبان وقباء، في تُبان وقميص». ومعنى «التبان»: السـراويل القصـيرة.
قال رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»[5]، فيشترط لها أن تستر بدنها في الصلاة عدا الوجه والكفين على رأي جمهور العلماء. ويكفيها في ذلك الدرع -وهو الجلباب- والخمار. ورجح شـيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا جواز كشف القدمين، واختاره صاحب الإنصاف، وحجتهم في ذلك أن المرأة إنما أمرت بالتجلبب إذا خرجت من بيتها، ولم يأت نص يأمرها به إذا كانت في بيتها حتى لو كان ذلك للصلاة، فصح أنها تصلي بملابس بيتها، وغالبًا ما تكون النساء كاشفات الأقدام، ولم يؤمرن بتغطيتهن في الصلاة بخلاف شعرها وعنقها؛ فقد أمرت بالخمار الذي يغطي ذلك منها، كما تقدم في الحديث السابق.
روى عبد الرزاق -بسند صحيح- عن أم الحسن قالت: «رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار»، وروى مالك في الموطأ (1/160). عن عبيد الله الخولاني -وكان يتيمًا في حجر ميمونة- «أن ميمونة كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليه إزار»، وسنده صحيح.
ولكن الأفضل للمرأة أن تصلي في «خمار» (يستر رأسها)، و«درع» (يستر بدنها)، ثم «ملحفة» من رأسها فوق الخمار والدرع؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة»[6].
(1) من شـروط الستر أن يحول بين الناظر ولونِ البشـرة، فلا يكفي ثوبٌ رقيق يُرى من ورائه سوادُ البشـرة أو بياضُها.
(2) الصلاة في البنطال للرجال فيه كراهة شديدة، وتزداد هذه الكراهة إذا كان ضـيقًا يجسم البشـرة، وأما صلاة المرأة في البنطال ففيه سوء أدب مع الله؛ لأن فيه تشبهًا بالرجال، وقد علمت أن رسول الله ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وكيف لا تنهاها صلاتها عن الفحشاء والمنكر بهذا التبرج الذي ابتليت به بلاد الإسلام؟ وينبغي للمصلي أن يتخلق بالأخلاق والآداب التي تكون أدعى لقبول العمل؛ إذ إن هناك فرقًا بين صحة العمل من الناحية الفقهية، وقبوله عند الله، فرُب عملٍ يقع صحيحًا لكنه غير مقبول لعدم مراعاة تقوى الله عز وجل.
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الثياب إذا كانت محرمة فإن الصلاة تكون باطلة. وهو رأي الظاهرية والحنابلة. والله أعلم.
(3) قال صاحب المهذب: (والمستحب - للمرأة - أن تكثف جلبابها حتى لا يصف أعضاءها، وتجافي الملحفة عنها في الركوع والسجود حتى لا تصف ثيابها)[7]، والمقصود أن يكون ثوبها كثيفًا لا يصف أعضاءها.
(4) تصح الصلاة من الرجل وهو حاسـر الرأس، ولكن الأفضل أن يلبس العمامة لكمال الزينة.