ينبغي للبائع والمشتري أن يتخلقا بالآداب الشـرعية والأخلاق الإسلامية، وسوف أسوق هنا بعض هذه الآداب والأخلاق، بما يسـره الله لي من جمعه وترتيبه، وهذه الآداب هي:
فعليه أن يخلص نيته في طلب الرزق؛ لإعفاف نفسه، والنفقة على من يعولهم، وإعزاز المسلمين بكثرة ثرواتهم، ونحو ذلك مما يؤجر عليه العبد، ولا يكون همه جمع الأموال تكثرًا وبطرًا وأشـرا وإعجابًا.
وذلك بالدراسة الجيدة؛ لإتقان مهنة العمل الذي يريد أن يعمل فيه، ومعرفة إيجابياته وسلبياته، ومشاورة أهل الخبرة فيه، واتخاذ أحسن السبل التي في مقدوره لتحصـيل أحسن النتائج؛ لقوله ﷺ في الحديث: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شـيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشـيطان»[1].
وقد تقدم في الحديث السابق قوله ﷺ: «واستعن بالله»، فمن أخذ بالأسباب، عليه ألَّا يكون اعتماده على هذه الأسباب، بل توكله واستعانته بالله ﭬ، فليعلق قلبه بربه لتحصـيل الرزق: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق:3].
بل عليه مداومة التقوى، وهي من أقوى الأسباب في تحصـيل الرزق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿ ٢ ﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق:2، 3].
وقد أثنى الله على المؤمنين بقوله: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور:37]. وذم آخرين بقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [الجمعة:11].
وقال سلمان الفارسـي رضي الله عنه: «لا تكونن -إن استطعت- أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منه؛ فإنها معركة الشـيطان، وبها ينصب رايته»[2].
قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة:100]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ [البقرة:168].
وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»[3].
فعن النعمان بن بشـير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها، وإن لكل ملك حِمًى، وإن حمى الله محارمُه، ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسَدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»[4].
وورد الذَّمُّ فيمن لا يبالي من أين أصاب المال: من حل أو حرام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عـن النبي ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه؛ أمن الحلال أم من الحرام»[5].
(7) تعلم أحكام البيع والشـراء:
وهذا على الوجوب؛ لقوله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»[6]، فعليه أن يعرف صحيح العقود من فاسدها حتى لا يقع في الشبهات والحرام، ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالسوق، ويضـرب بعض التجار بالدرة، ويقول: «لا يبيع في سوقنا إلا من تفقَّه، وإلَّا أكل الربا، شاء أم أبى».
(8) السماحة في البيع والشـراء:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضـى»[7]. قال الحافظ رحمه الله: (فيه الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحض على ترك التضـييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم)[8].
(9) تجنب الصخب بالأسواق:
أي رفع الصوت في المعاملة، فهذا يتنافى مع الوقار، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقد سئل عن وصف رسول الله ﷺ في التوراة؛ فقال: «أجل، إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ ، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السـيئة بالسـيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا»[9].
(10) إنظار الموسـر، والعفو عن المعسـر:
قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة:280].
عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شـيئًا؟ قال: كنت آمر فتياني أن يُنظروا ويتجاوزوا عن الموسـر -وفي رواية: أُنظر الموسـر، وأتجاوز عن المعسـر- قال: فتَجاوز الله عنه»[10]. قال الحافظ رحمه الله: (فإذا أعسـر المديون وجب إنظاره، ولا سبيل إلى ضـربه ولا إلى حبسه)[11].
تنبيه: اختلف العلماء في تحديد الموسـر والمعسـر على أقوال، وأرجحها أن ذلك راجع إلى العرف؛ فمن كان حاله إلى مثله يعد يسارًا، فهو موسـر، وعكسه بعكسه، وهذا الذي اعتمده الحافظ في الفتح، ولنحوه نحا الشافعي حيث قال: (قد يكون الشخص بالدرهم غنيًّا مع كسبه، وقد يكون فقيرًا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله).
على التاجر أن يكون صادقًا أمينًا، وليحذر الكذب والكتمان مع من يتعامل معهم من الشـركاء والعملاء؛ فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»[12].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني»[13].
قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: (لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء إلا أخبره)[14].
(12) عدم إنفاق السلعة بالحلف الكاذب:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف مَنْفَقة للسلعة مَمْحَقة للبركة»[15].
وورد في بعض الروايات: «الحلف الكاذب». ومعنى «مَنْفَقة»، أي: يكثر المشترون ويرغبون في سلعته، «مَمْحَقة» من المَحْق، وهو النقص والإعطال.
وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم»، فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»[16]. ومعنى «المسبل» الذي يطيل ثوبه أسفل الكعبين، والكعبان: هما العظمان الناتئان على جانبي القدم.
وذلك لكي يطهر المال مما قد يشوبه من شـيء من الإثم.
عن قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ -ونحن نسمى السماسـرة- فمر بنا رسول الله ﷺ فسمَّانا باسم هو أحسن منه؛ فقال: يا معشـر التجار، إن الشـيطان والإثم يحضـران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة»[17]. قال الخطابي رحمه الله: (السمسار: أعجمي، وكان كثيرٌ ممن يعالج البيع والشـراء فيهم عجمًا، فتلقنوا هذا الاسم عنهم، فغيره رسول الله ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: «فسمَّانا باسم هو أحسن منه»)[18].