الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس:
يحرم على الحائض والنفساء الصلاة فرضًا ونفلًا، فإن طهرت فلا يجب عليها إعادة هذه الصلاة؛ لما ثبت في الحديث أن عائشة رضي الله عنها سئلت: ما بال الحائض لا تقضـي الصلاة؟ قالت: «كان يصـيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[1].
اختلفت آراء العلماء في قراءة الحائض للقرآن ما بين مُحرِّم ومُجوِّز، والذي يترجح -والله أعلم- أنه يجوز لها قراءة القرآن؛ لعدم ورود حديث صحيح صـريح يمنعها من قراءة القرآن، وقد ذهب البخاري، وابن جرير، وابن المنذر إلى جوازه، وحكي عن مالك وعن الشافعي في القديم، حكاه عنهما ابن حجر في فتح الباري. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ليس في منعها من القرآن سنة أصلًا؛ فإن قوله: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شـيئًا من القرآن» حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث... وقد كان النساء يحضن في عهد النبي ﷺ، فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهيًا لم يجز أن تجعل حرامًا مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم)[2]. ولا مانع من الاحتياط فبابه واسع، لكن الجزم بالمنع هذا أمر لا يستقيم مع قواعد الفقه والأصول.
وأما الذكر والتسبيح وقراءة كتب الحديث والفقه والدعاء والتأمين عليه واستماع القرآن، فلا خلاف في جواز ذلك، والله أعلم.
يحرم على الحائض والنفساء الصوم، وعليهما قضاؤه بعد رمضان كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها، فإن صامت وهي حائض أو نفساء فصومها غير صحيح، وتكون آثمة، ولا تبرأ بذلك ذمتها فيجب عليها القضاء.
يحرم جماع الحائض وكذا النفساء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ [البقرة:222]. ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: «اصنعوا كل شـيء إلا النكاح»[3]؛ يعني: الجماع. [أفتت اللجنة الدائمة بأن المرأة الحائض ليست بنجسة العين، فيجوز مباشـرتها إلا في الفرج، وتقبيلها ومؤاكلتها والشـرب من موضع فيها، والأكل مما طبخته، ونحو ذلك (السعيدان 25)].
فللزوج من زوجته الحائض أو النفساء تقبيلها ومباشـرتها دون الفرج، فإن جامع فهو آثم وعليه الكفارة[4]؛ وهي أن يتصدق بدينار، أو نصف دينار من الذهب؛ لما ثبت في الحديث: «من أتى امرأته وهي حائض فليتصدق بدينار، أو نصف دينار»[5]. والدينار يساوي تقريبًا 4.15 جرام من الذهب. وفصَّل بعض أهل العلم، فجعل إخراج الدينار إذا كان الدم كثيرًا، ونصف الدينار إذا كان قليلًا.
فإن طهرت من الحيض فلا يجامعها زوجها حتى تغتسل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ [البقرة:222] أي: من الدم، ثم قال: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي: اغتسلن ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾، أي: الجماع.
يحرم عليها الطواف بالبيت، وأما بقية المناسك؛ من السعي، ورمي الجمار، والوقوف بعرفات؛ فلا حرج عليها في تأديتها؛ لقوله ﷺ لعائشة وهي حائض: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»[6]. والحائض يسقط عنها طواف الوداع بخلاف طواف العمرة والحج، وهو طواف الركن؛ فإنها تنتظر حتى تطهر ثم تطوف.
اختلف العلماء في حكم مكث الحائض في المسجد، فذهب بعضهم إلى المنع وهو مذهب الأئمة الأربعة مستدلين بقوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ [النساء:43]، وبحديث: «إني لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض»، لكنه حديثٌ ضعيفٌ، وقد تقدم الجواب عن هذين الدليلين[7].
وذهب فريق آخر من العلماء إلى جواز مكث الحائض في المسجد، وهو مذهب الظاهرية واختيار المزني من أئمة الشافعية وهو الراجح؛ لأنه لم يثبت دليل صحيح صـريح يمنع الحائض من المكث في المسجد مع عموم البلوى وحاجة الناس لمعرفة هذا الحكم، فلو كان هناك منع لثبت ذلك.
وأيضًا فقد ثبت في صحيح البخاري: «أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد، أو حفش»[8]. ومعنى «الحفش»: البيت الصغير، ومعلوم أن المرأة تحيض، ولم يسألها النبي ﷺ: هل بلغت اليأس من المحيض أو لا، فترك الاستفصال دليل على عموم الحكم، والله أعلم[9]
[أفتت اللجنة الدائمة بأنه لا يحل للمرأة أن تدخل المسجد وهي حائض أو نفساء، ولها المرور فقط من غير مكث إذا دعت إليه الحاجة مع أمن تلويث المسجد بدمها (السعيدان 45)].
يحرم على الزوج أن يطلق زوجته وهي حائض؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق:1]، بخلاف النفاس فإنه يجوز أن يطلقها في نفاسها؛ لأن النفاس لا يحسب من العدة.
لكن لو طلق وهي حائض هل يقع الطلاق أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك بعد اتفاقهم أنه يسمى طلاقًا بدعيًّا، والراجح وقوعه. وسـيأتي تفصـيل ذلك في أبواب الطلاق إن شاء الله تعالى.
ويجوز طلاق الحائض في الحالات الآتية:
(1) إذا طلقها قبل الدخول؛ لأنه لا عدة لها.
(2) إذا طلقها وهي حامل؛ لأنه لا عبرة بحيض الحامل.
(3) إذا كان الطلاق على عوض (وهو ما يسمى بالخلع).
تنبيه: يجوز عقد النكاح على الحائض والنفساء؛ إذ لا دليل يمنع من ذلك.
أ- يجوز للمرأة استعمال ما يمنع الحيض بشـرطين:
الأول: أن لا يخشـى الضـرر عليها.
الثاني: أن يكون ذلك بـإذن الزوج.
أفتت اللجنة الدائمة بجواز استعمال حبوب منع الدورة بشـرط عدم مضـرتها، وأفتت بجواز أخذ الحبوب لجلب الحيض إذا قرر الطبيب الثقة أن ذلك لا يضـر (السعيدان 28).
ب- يجوز للمرأة استعمال ما يجلب الحيض بشـرطين:
الأول: أن لا تتحيل به على إسقاط واجب شـرعي؛ مثل أن تستعمله في رمضان للفطر.
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج.
جـ- إذا جامع الرجل المرأة وهي حائض، فعليه الكفارة كما تقدم، لكن هل يجب على المرأة كفارة؟! فيه خلاف بين العلماء، والصواب -والله أعلم- أنها إن طاوعته وكان ذلك برضاها أنه يجب عليها الكفارة أيضًا.
د- إذا باشـر الرجل زوجته دون الفرج، وهي حائض، فلا يجب عليه الغسل إلا بالإنزال، وإن أنزلت هي وهي حائض، أو احتلمت، استحب لها أن تغتسل للجنابة في وقت حيضها، علمًا بأنه يجوز لها أن تؤخر غسلها من الجنابة حتى تطهر من الحيض.
هـ- إذا انقطع الدم عن الحائض ولم تغتسل، لم يُـبَحْ مما كان محرمًا إلا الصـيام والطلاق، وأما غيرهما فلا يباح إلا بعد الاغتسال.
و- إذا طهرت الحائض، ولم تجد ماء لتغتسل، أو وجدته لكنها لا تستطيع استعماله؛ فإنها تتيمم حتى يزول المانع فتغتسل، فإن تيممت أبيح لها ما كان محرمًا عليها سواء بسواء كما لو اغتسلت.
آخر كتاب (الطهارة)، والحمد لله رب العالمين، وأسأل الله أن يجعله ذخرًا لي في الآخرة، وأن يوفق به طلاب العلم للتفقه في دينهم.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ويتلوه إن شاء الله تعالى: (كتاب الصلاة).