أجرى العلماء على الطلاق الأحكام التكليفية الخمسة؛ فقد يجب أحيانًا، وقد يكون مستحبًّا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو حرامًا، لكن الأصل فيه كراهيته من غير حاجة. قال ابن قدامة رحمه الله: (وإنما يكون مبغوضًا من غير حاجة إليه، وقد سمَّاه النبي ﷺ حلالًا[1]، ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها فيكون مكروهًا)[2].
قلت: ومما يدل على هذه الكراهة أو يشـير إليها ما يلي:
عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سـراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة؛ يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شـيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت»[3]. فهذا يدل على أن الطلاق محبوب للشـيطان؛ لما يترتب بسببه من شقاق وخصام، وتفرق وتشتت للأولاد، وتضـييع مصالح النكاح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «... واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شـيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسـرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا»[4]، وفي لفظ لمسلم: «وكسـرها طلاقها». فهذا يدل على الصبر والتحمل، وعدم الإسـراع إلى الطلاق.
ولا شك أن حال الوفاق يحبه الله؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ ، والطلاق يعارض هذا.
وعن عمرو بن دينار قال: طلق ابن عمر رضي الله عنهما امرأة له، فقالت له: هل رأيت مني شـيئًا تكرهه؟ قال: لا، قالت: فلم تطلق المرأة العفيفة المسلمة؟ قال: فارتجعها[5].
فهذا هو الأصل في أمر الطلاق، لكنه كما سبق قد يختلف الحكم حسب الواقع، لذا فيتنوع حكمه على النحو الآتي:
* أن يقع الشقاق بين الزوجين، ولا سبيل للإصلاح، ويرى الحكمان إيقاع الطلاق.
* المولي[6] إذا مضت عليه مدة أربعة أشهر؛ لقولــه تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٢٢٦ ﴾ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:226، 227].
* ومن صور الوجوب أيضًا ما قاله ابن تيمية رحمه الله: (ويجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة، فإن لم تصل وجب عليه فراقها على الصحيح)[7].
قلت: وكذلك المرأة إذا لم يصل زوجها طالبته بفراقها.
* قال ابن قدامة: رحمه الله: (الرابع: مندوب إليه، وهو عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها عليها، أو تكون له امرأة غير عفيفة، قال أحمد: لا ينبغي له إمساكها، وذلك لأن فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن إفسادها لفراشه وإلحاقها به ولدًا ليس هو منه، ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضـييق عليها لتفتدي منه)[8].
* ويستحب كذلك إذا رأى أن المرأة متضـررة، وشعر منها بضجر؛ فيكون من باب الإحسان إليها فراقُها وإزالة الضـرر عنها، وإن كان يحبها، والأولى أن يسعى في إزالة الضـرر الذي وقع عليها بالموعظة والصبر عليها، فإن وجد أن المصلحة لها في طلاقها طلقها.
وذلك إذا كان هناك حاجة للطلاق؛ لسوء خلق المرأة مثلًا، أو سوء عشـرتها، والتضـرر بها، وعدم إمكانية إصلاحها.
إذا لم يكن لحاجة؛ كما تقدم من الأحاديث.
وذلك أن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه، ويسمى هذا الطلاق طلاق البدعة، وسـيأتي تفصـيله إن شاء الله تعالى.