حجم الخط:

مسائل في الجمعة:

(1) يجوز السفر يوم الجمعة قبل دخول الوقت، أو بعد دخوله؛ لعدم المانع من ذلك، لكن إن أذَّن للصَّلاة وجب عليه السعي للجمعة، ولا يجوز السفر لمن وجبت عليه الجمعة، وذلك بعد سماعه الأذان، إلا أن يخشـى مضـرة؛ كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معها، وما شابه ذلك من الأعذار[1].

(2) يكره كراهة شديدة الانشغال بطلب المال عن حضور الجمعة، ولا يكون انشغاله عذرًا لترك الجمعة، وإن كان خارجًا عن بلد إقامته؛ وذلك لما في سنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ألا هل عسـى أحدكم أن يتخذ الصُّبَّة من الغنم، على رأس ميل أو ميلين، فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع، ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، وتجيء فلا يشهدها، حتى يطبع الله على قلبه»[2]. و«الصُّبَّة»: هي مجموعة من الإبل والخيل أو الغنم تبلغ من العشـرين إلى الثلاثين، وقيل: ما بين العشـرة إلى الأربعين.

(3) سبق أن بينا الذين لا تجب عليهم الجمعة، ولكن لو صلَّاها أحد منهم صحت صلاته، وسقط الفرض.

(4) وكذلك لو أَمَّ مريض أو مسافر أو عبد أو صبي؛ صحت إمامتهم وصحت الجمعة. وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب الجمهور خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة.

(5) الذين لا يجب عليهم حضور الجمعة يصلون الوقت ظهرًا، وسواء صلوا الظهر قبل أن يجمع الناس أم صلَّوها بعد جمعهم.

(6) ولو زال العذر بعد صلاته الظهر، وقبل أن يجمع الإمام؛ فالراجح أنه لا يجب عليه الإعادة، لكن هل الأفضل التقديم أو الانتظار حتى يجمع الإمام؟

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (إذا كان من لا تلزمه الجمعة ممن يرجى أن يزول عذره ويدركها، فالأفضل أن ينتظر، وإذا كان ممن لا يرجى أن يزول عذره، فالأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها)[3].

العدد الذي تنعقد به الجمعة:

اختلفت آراء العلماء في تعيين العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال كثيرة، بلغت خمسة عشـر قولًا؛ فمنهم من يعتبر الأربعين، ومنهم من يعتبر الخمسـين، ومنهم من يقيدها بثلاثة... وهكذا، وقد ذكرها الحافظ في الفتح، ونقلها عنه الشوكاني في نيل الأوطار.

والصحيح: أنه لا يثبت تصـريح بتقييد الجمعة بعدد معين، وما استدل به الفقهاء في تحديد العدد: إما صحيح غير صـريح، وإما صـريح غير صحيح.

فمثال الأول: (الصحيح غير الصـريح): ما رواه أبو داود وابن ماجه، عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصـره- عن أبيه كعب رضي الله عنهما... الحديث، وقد تقدم[4]. فاستدلوا بهذا الحديث على أن العدد كان أربعين، ولم يثبت أن النبي ﷺ صلَّاها بأقل من هذا العدد، فتعيَّن.

قال الشوكاني رحمه الله: (وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة في الحديث على اشتراط الأربعين؛ لأن هذه واقعة عين، وليس فيه أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة، وقد تقرر في الأصول أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم)[5].

ومثال الثاني: (الصـريح غير الصحيح): ما رواه الطبراني والدارقطني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الجمعة على الخمسـين رجلًا، وليس على ما دون الخمسـين جمعة»[6]. قال السـيوطي: لكنه ضعيف.

والخلاصة أنه لم يثبت في العدد ما يدل على وجوبه لصحة الجمعة، والثابت فقط أنها لا تصح إلا جماعة؛ لما تقدم من حديث طارق بن شهاب: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة».

ورجح شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أقلها للجمعة ثلاثة؛ لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه: «ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشـيطان»[7]. وقال ابن عثيمين رحمه الله: وهو قول قوي.

(8) شـروط أخرى في صحة الجمعة لا دليل عليها:

اشترط بعض الفقهاء لصحة الجمعة شـروطًا أخرى؛ مثل: وجود الإمام الأعظم، المصـر، المسجد الجامع، اتصال البنيان.

والحقيقة أن هذه الشـروط لم يثبت لها دليل يؤيدها، وقد وقع بسببها كثير من المخالفات؛ فالبعض يترك الجمعة بحجة عدم وجود الإمام الأعظم، وبعضهم يعيدها ظهرًا بعد الصلاة، وهذه كلها بدع ومخالفات ما أنزل الله بها من سلطان. وما أحسن ما كتبه صديق حسن خان رحمه الله في كتاب «الروضة الندية» وهو يناقش هذه الشـروط التي اشترطها الفقهاء، فقال بعد أن ساق بعض الآراء: (ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسول الله ﷺ حرف واحد يدل على ما ادَّعوه من كون هذه الأمور المذكورة شـروطًا لصحة الجمعة، أو فرضًا من فرائضها، أو ركنًا من أركانها...).

ويدل على عدم اشتراط المصـر الجامع حديث ابن عباس: «أول جمعة جُمِعت بعد جمعة جُمعت في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بِجُواثَى من البحرين» رواه البخاري، وأبو داود[8] وقال: «بجواثى قرية من قرى البحرين»، قال الشوكاني: (قوله: «من قرى البحرين» فيه جواز إقامة الجمعة في القرى، لأن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ﷺ لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشـرعية في زمن نزول الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن كما استدل بذلك جابر وأبو سعيد في جواز العزل بأنهم فعلوا والقرآن ينزل فلم يُنهَوا عنه... وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وبه قال زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله، وأسنده ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه وحذيفة وغيرهما أن الجمعة لا تقام إلا في المدن دون القرى. واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه مرفوعا: «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع» وقد ضعف أحمد رفعه وصحح ابن حزم وقفه، وللاجتهاد فيه مسرح فلا ينتهض للاحتجاج به. وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر: أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيث ما كنتم. وهذا يشمل المدن والقرى، وصحَّحه ابن خزيمة. وروى البيهقي عن الليث بن سعد: أن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان بأمرهما وفيها رجال من الصحابة، وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم، فلما اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع)[9].

وبناء على ما تقدم فتصح الجمعة في أكثر من مسجد؛ سواء اتصل البنيان أم لم يتصل، وسواء وجد الإمام الأعظم (أمير المؤمنين) أم لا، وسواء كان في المصـر أم في البدو، وسواء كثر العدد أم قل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة