(1) تلقي الجلب (تلقي الركبان):
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سـيده السوق، فهو بالخيار»[1].
معنى «تلقي الجَلَب»: أي: أن التجار الذين يأتون من خارج البلد ويجلبون تجارتهم إلى السوق ولا يعرفون الأسعار، يقابلهم تجار السوق، فيشترون تجارتهم قبل أن يدخلوا بها الأسواق، ثم يتولوا هم بيعها بالسوق. ومعنى «سـيده»: أي: صاحب السلعة. قال النووي في شـرح الحديث: (وفي هذه الأحاديث تحريم تلقي الجلب، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضـر بالناس، فإن أضـر كره، والصحيح الأول للنهي الصـريح)[2].
أولًا: الرفق بأهل البلد؛ لأن هؤلاء الذين يتلقون السلع يمنعون الرُّخْصَ على الناس؛ لأنهم يتحكمون في البضائع وأثمانها، ويبيعونها بالتدريج فيضـر ذلك بالناس، ولكن إذا دخل التجار بأنفسهم السوق عرضت بضائعهم مباشـرة وأرخصوا على الناس.
ثانيًا: الرفق بالجالبين أنفسهم؛ لأن الغالب أن هؤلاء المتلقين لهم يغبنونهم[3]، وقد يتواطؤون عليهم بجلبهم، ولذلك فإن النبي ﷺ حفظ حق الجالب، إذا أتى السوق فوجد أنه غبن في السعر؛ أنه بالخيار بين أن يفسخ العقد أو يمضـيه. وعلى هذا إذا لم يكن غبن فلا خيار له على الصحيح.
ونهيه ﷺ عن تلقي الركبان يدل على التحريم، لكن هل يقتضـي فساد العقد أم لا؟ اختلف في ذلك، والراجح أنه لا يقتضـي الفساد؛ لأن النهي لأمر خارج عن العقد، وقوله ﷺ: «فصاحب السلعة فيها بالخيار» يدل على انعقاد البيع، لكنه بالخيار عند الغبن بين إمضاء العقد وفسخه. لكن يشكل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه: «كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى نحوله من مكانه أو ننقله»[4]، فظاهر هذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتلقون الجلب، ولم ينههم النبي ﷺ عن التلقي، إنما كان نهيه عن بيع ما اشتروه حتى يحولوه من مكانه. وقد جمع بينهما الطحاوي بأن النهي إذا كان فيه ضـرر، والإباحة حيث لا ضـرر[5].
قلت: ويمكن أن يكون معنى (التلقي الجائز) إذا كان في أعلى السوق، أي: أن الجالبين قد وصلوا السوق بالفعل، لكنهم في أوله، وأما التلقي (المنهي عنه) إذا كان خارج السوق[6]، وهذا ما رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله [7] ومما يؤيد ذلك ما ورد في إحدى روايات ابن عمر بلفظ: «كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه»[8]. وأما عن الحكمة في جوازه إذا كان بأعلى السوق، وعدم جوازه إذا كان خارج السوق أو خارج البلد، فقد قال الحافظ رحمه الله:- (والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصـيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر)[9].