(19) لا يأكل متكئًا:
وذلك لما ثبت عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أنا فلا آكل متكئًا»[1].
قال الخطابي: (يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره، وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه، وإنما المتكئ ها هنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ، والاتكاء مأخوذ من الوكاء... فالمتكئ: هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، والمعنى: إني إذا أكلت لم أقعد متكئًا على الأوطية والوسائد؛ فِعْلَ من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ويتوسع في الألوان، ولكني آكله عُلْقة، وآخذ من الطعام بُلْغَة، فيكون قعودي مستوفزًا له، وروي أنه كان يأكل الطعام مُقعيًا[2] ويقول: «أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد»)[3]، يعني: ثبت عنه ذلك في حديث آخر، وقد تقدم[4].
قلت: ومعنى الإقعاء: (جالسًا على أليتيه ناصبًا ساقيه)[5]، قاله النووي.
وقال الخطابي: (الإقعاء: أن يضع أليتيه على عقبيه غير مطمئن إلى الأرض)[6]، فهذا معنى الاتكاء على ما فسره الخطابي، ولكن خالفه ابن الجوزي؛ قال ابن حجر: (وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك)[7].
قلت: وما ذهب إليه ابن الجوزي أقوى؛ لما ثبت في الحديث: «وكان متكئًا، فجلس»، ففرَّق بين الاتكاء والجلوس، فتكون الصفة التي ذكرها الخطابي هي صفة الجلوس، وما ذكره ابن الجوزي هي صفة الاتكاء، والله أعلم.
واختلفوا في حكم الأكل متكئًا: عدم الأكل متكئا عدَّه القاضي أبو العباس من خصائص النبي ﷺ، وتعقبه البيهقي فقال: (قد يكره لغيره؛ لأنه من فعل المتعظمين). وقال أيضًا: (فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئًا لم يكن في ذلك كراهية)[8].
وأخرج ابن أبي شيبة عن جماعة من السلف أنهم ذهبوا إلى جواز الأكل متكئًا مطلقًا[9].
قال ابن حجر: (وإذا ثبت كونه مكروهًا أو خلاف الأولى، فالمستحب في صفة الجلوس للأكل أن يكون جالسًا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمني ويجلس على اليسرى)[10].
قلت: أما الصفة الأولى (جالسًا على ركبتيه)؛ فقد ثبت عند ابن ماجه، وأبي داود من حديث عبد الله بن بسر -قال الحافظ بإسناد حسن- قال: «أهديت لرسول الله ﷺ شاة، فجثا على ركبتيه يأكل...»[11] الحديث، وهو معنى «الإقعاء» السابق في كلام الخطابي، وأما الصفة الثانية (ينصب الرجل اليمنى) فلم أجد دليلًا عليها من السنة، وقد سبق أن الجلوس لا يُعد اتكاء، والله أعلم.