(2) لقطة الحيوان:
وتشمل لقطة الإبل والغنم ونحوهما، ويطلق عليها: الضالَّة. قال الحافظ: (قال العلماء: الضالة لا تقع إلا على الحيوان)[1]، وقد بين النبي ﷺ حكمها في الحديث السابق كما يلى:
(أ) ضالة الإبل القوية على الرعي وورود الماء:
فلا يجوز أخذها، بل يتركها؛ لقوله ﷺ في الحديث -وقد سئل عن ضالَّة الإبل-: «ما لك ولها! معها حذاؤها وسقاؤها؛ ترد الماء وتأكل الشجر». والمقصود بـ «الحذاء»: الخف، و«السقاء»: جوفها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طبعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها، وهذا الرأى هو قول الجمهور.
وخالف الحنفية فرأوا إباحة التقاطها، وحمل بعضهم النهي عن التقاطها على ما إذا نوى تملكها، وأما إن كان ليحفظها لا ليتملكها فأجازوه، وهو قول عند الشافعية، ولكن الراجح من ذلك قول الجمهور[2].
الراجح أن يأخذها ويتملَّكها صاحبها؛ لقوله ﷺ عندما سئل عن ضالة الغنم، قال: «لك، أو لأخيك، أو للذئب»، وجاء في بعض الروايات: «خذها، فإنما هي لك...» إلخ، وهذا صـريح في الأمر بأخذها.
اتفق العلماء على أنَّ لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد عن العمران أنْ يأكلها، واختلفوا: هل يضمن قيمتها لصاحبها أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يضمن قيمتها، وخالف في ذلك المالكية. قال الحافظ: (وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها)[3].
وأجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط أخذها، وخالف في ذلك ابن حزم على أنه إذا أخذها فلا سبيل لمالكها.
أن لا يكون لها حافظ، ووجدت في مكان يخاف عليه الذئب أو من يأخذها من الناس، ولا هي بقرب ماء، فمعنى الضالة: هي التي لم يعرف صاحبها أين هو؟ ولا يعرف واجدها لمن هي؟ وعلى هذا إذا كانت في مكان لا يخاف عليها الهلكة، ولا الضـياع، ولا أن يأخذها أحد، فلا يجوز التقاطها.
قال الحافظ: (قال الجمهور: يجب تعريفها، فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، إلا أن الشافعي قال: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصح)[4].
قلت: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الشافعي: أن التعريف لا يكون للضالة في الفلاة؛ لأن هذه غالبًا هي الأماكن التي توجد فيها الذئاب، بخلاف المصـر فليس بأماكنها.
وأما رواية أبي داود: «فاجمعها حتى يأتيها باغيها»[5]، فإنها من رواية ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، فالإسناد لا يصح، وفيه مخالفة ابن إسحاق لغيره ممن رووا حديث زيد بن خالد الجهني؛ فإنه لم يذكرها أحد. فإن صح هذا الحديث فهو محمول على ضوالَّ لا يخاف عليها الذئب أو إنسان آخر، فإنه يأخذها ويعرِّفها، وهذا قول مالك، وهو الراجح، والله أعلم.
والخلاصة: أن ضالة الغنم إذا كانت في مكان يمكن أن تتعرض فيه للذئاب، فإنه يجوز التقاطها وتملكها، وأما إن كانت في مكان لا تتعرض فيه للهلكة ولا للضـياع، فإنه يأخذها ويعرِّف بها في القرية[6].
قال ابن حزم: (وأما كل ما عدا ما ذكرنا؛ من إبل لا قوة بها على ورود الماء والرعي، وسائر البقر، والخيل، والبغال، والحمير، والصـيود كلها المتملكة، والأُبَّاق من العبيد والإماء، وما أضل صاحبه منها، والغنم التي تكون ضوالَّ بحيث لا يخاف عليها الذئب، ولا إنسان، وغير ذلك - كله - ففرضٌ أخذُه وضمُّه وتعريفُه أبدًا، فإن يئس من معرفة صاحبها أدخلها الحاكم أو واجدها في جميع مصالح المسلمين، سواء كان كل ما ذكرناه مما أهمله صاحبه لضـرورة، أو لخوف، أو لهزال، أو مما ضل ولا فرق)[7].
قلت: وما قاله ابن حزم حسن، لكن لا بد أن يستثنى منه ما كان بحال يقوى على الاستقلال بقوته، فإنه لا يلتقط. قال الخطابي: (فإذا وجدها المرء - يعني: الضالَّة من الحيوان - لم يجز له أن يعرض لها، ما دامت بحال تمتنع بنفسها وتستقل بقوتها حتى يأخذها ربها)[8].