حجم الخط:

(7) العمل الكثير عمدًا:

والمقصود الأعمال التي ليست من جنس الصلاة؛ قال النووي رحمه الله: (إن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرًا أبطلها بلا خلاف، وإن كان قليلا لم يبطلها بلا خلاف، وهذا هو الضابط.... الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضـر ما يعده الناس قليلًا؛ كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفع مار، ودلك البصاق في ثوبه، وأشباه ذلك)[1]. ثم ذكر مثالًا للعمل الكثير، وهو الخطوات المتتالية، بخلاف ما لو خطا خطوة ثم وقف ثم أخرى ثم وقف.

قلت: ليس في الخطوات المتتالية دليل على بطلان الصلاة؛ لحديث صلاته على المنبر ونزوله القهقرى، ولما ثبت في البخاري تعليقًا أن عمر رأى رجلًا يصلي بين الساريتين فأمسك به حتى أقامه خلف السارية، وقال: صلِّ ها هنا، ولحديث منعه الهرة من المرور بين يديه حتى لصق بطنه بالحائط[2].

ولا يخلو كل ذلك من خطوات متتالية، وهو دليل على الإباحة، وعلى هذا فالأولى أن يقال: كل عمل ينشغل به ولم يبحه له الشـرع في الصلاة بحيث من يراه يقول إنه ليس في صلاة يكون مبطلًا لصلاته، وأما ما أذن له فيه الشـرع، أو كان فيه إصلاح للصلاة، فلا يعد مبطلًا. وهذا الضابط هو أقرب لما قاله الحنفية؛ حيث إنهم يُعرفون العمل الكثير بأنه: الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة؛ فإن اشتبه فهو قليل على الأصح، وهو معفو عنه.

وقال الشوكاني في هذه المسألة: أقول قد خبط المفرعون في هذا المقام خبطًا طويلا واضطربت آراء جماعة من المجتهدين العاملين بالأدلة المؤثرين لما صح من الرواية. والحق الحقيق بالقبول أن يقال إن الصلاة بعد انعقادها والدخول فيها لا تفسد إلا بمفسد قد دل الشـرع على أنه مفسد؛ كانتقاض الوضوء، ومكالمة الناس عمدًا، أو ترك ركن من أركانها الثابتة بالضـرورة الشـرعية عمدًا، فمن زعم أنه يفسدها إذا فعل المصلي كذا فهذا مجرد دعوى إن ربطها المدعي بدليلها نظرنا في الدليل فإن أفاد فساد الصلاة بذلك الفعل أو الترك فذاك. وقال أيضًا: فإن قلت: هل يمكن الإتيان بضابط يعرف به ما لا يفسد الصلاة وما يفسدها من الأفعال؟ قلت: لا بل الواجب علينا الوقوف موقف المنع حتى يأتي الدليل الدال على الفساد أيضًا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة