حجم الخط:


أحكام الرجعة:

يجوز أن يراجع الرجل زوجته وهي في العدة من الطلقة الأولى أو الثانية؛ سواء رضـيت أم كرهت؛ وذلك بأن يقول لزوجته: (راجعتك) أو (راجعتك إلى عصمتي) أو بأي لفظ يدل على إرجاعها؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾ [البقرة:228].

ويتعلق بذلك أمور:

(1) ألَّا يكون مقصوده بالرجعة الإضـرار بالمرأة لتطويل العدة، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق:2]؛ أي: أن تكون الرجعة رغبة منه في الحياة الزوجية، لا إضـرارًا بالمرأة.

(2) أن يُشهِدَ على رجعته رجلين مسلمين عدلين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق:2]، واختلف العلماء هل هذا الإشهاد على الوجوب أو أنه مندوب إليه؟ على قولين لأهل العلم. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (ويحتمل أن يقال: في هذا تفصـيل؛ إن راجعها بحضـرتها فلا حاجة للإشهاد، وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد)[1].

تنبيه: اختلف العلماء: هل الإشهاد المذكور في الآية يرجع إلى الطلاق والرجعة، أو إلى الرجعة فقط؟ قال القرطبي رحمه الله: (والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا)[2].

قلت: وعلى هذا، لو طلَّق بدون إشهاد يقع طلاقه، وهذا هو الأرجح -وإن كان الأولى الإشهاد- ودليل وقوعه أن النبي ﷺ لم يسأل أحدًا ممن طلق في زمانه: هل أشهد أو لا، فدل ذلك على إيقاع الطلاق بدون إشهاد.

(3) إذا قبَّل، أو جامع، أو باشـر زوجته بشهوة، هل يكون ذلك رجعة؟

اختلف في ذلك العلماء: فيرى بعضهم أنه بذلك مراجع، وهذا مذهب أبي حنيفة، وفرَّق مالك بين من يفعل ذلك ينوي الرجعة فهو مراجع، وبين من لم ينوها فليس بمراجع. وذهب أهل الظاهر أنه لا يكون مراجعًا إلا بالكلام فقط؛ أي يقول لها: راجعتك، ولا يرون الرجعة بالفعل. ونقل القرطبي عن الشافعي: (إذا تكلم بالرجعة فهو رجعة)[3].

والذي يترجح أن المراجعة تكون بالفعل كما تكون بالقول، وقد أطلق الله عز وجل الإمساك فقال: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ أي: الرجعة، فإذا وطئ الرجل مطلقته الرجعية ونوى بذلك الرجعة، فقد استباح منها ما لا يباح إلا للأزواج، فدل ذلك ضمنًا على مراجعته لها[4]. وهذا مذهب مالك كما سبق، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، وصحَّحه ابن عثيمين في الشـرح الممتع[5].

(4) يمتد وقت المراجعة حتى تنتهي من الحيضة الثالثة -وهذا في حق من تحيض- وقبل أن تغتسل؛ أي أنها إذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل، جاز له أن يراجعها، فإن اغتسلت فقد بانت منه، ولا يملك مراجعتها إلا بعقد جديد، وقد صح ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود رضي الله عنهم.

(5) إذا تركها حتى انقضت عدتها، وبانت منه بعد الطلقة الأولى أو الثانية، ثم تزوجت زوجًا آخر، وطلقها الثاني، ثم عادت للأول؛ فإنها تعود بما بقي من عدد الطلقات. وهذا بخلاف ما لو طلقها ثلاث تطليقات، وتزوجت بآخر؛ فإنها تعود للأول بعدد ثلاث طلقات، وسـيأتي تفصـيل لهذه المسألة[6].

(6) إذا طلق الرجل زوجته، وأعلمها بطلاقها، ثم راجعها ولم يُعْلِمها برجعتها حتى تنقضـي عدتها، بانت منه؛ لأنه لم يراجع بإحسان؛ إذ الإحسان أن يُعْلمها أنه راجعها، وقد صح ذلك عن عمر بن الخطاب وعمران بن حصـين رضي الله عنهما، وهو ما ذهب إليه شـريح القاضـي وسعيد بن المسـيب والحسن[7]، وفي المسألة خلاف.

(7) قال القرطبي رحمه الله: (ومن ادَّعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدَّقته جاز، وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة ولم تعلم بذلك لم يضـره جهلها بذلك، وكانت زوجته)[8].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة