حجم الخط:

أحكام عقد الذمة:

(1) عقد الذمة لا يكون إلا لأهل الكتاب أو للمجوس؛ لأن عندهم شبهة كتاب، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

وأما الدليل على إعطائها للمجوس فهو ما ثبت «أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»[1]، وأما المشـركون فلا نقبل منهم الجزية، بل إما الإسلام وإما القتال؛ لقوله تعالى عن المشـركين ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح:16].

وذهب بعض الفقهاء إلى أنها تعقد لكل كافر؛ لحديث بريدة عن النبي ﷺ أنه كان يوصـي الأمراء: «وإذا لقيت عدوك من المشـركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم؛ فادعهم إلى الإسلام، فإن هم أبوا فسلهم الجزية...»[2] الحديث.

وهذا القول -أعني عمومها لكل كافر- هو ما رجحه الشـيخ ابن عثيمين.

كما يشترط ألا يكون المعاهد مرتدًّا؛ لأن حكمه القتل إذا لم يتب.

(2) إذا تم عقد الذمة انتهت الحرب، وعصم الكفار نفوسهم وأموالهم وأعراضهم.

(3) عقد الذمة عقد لازم من جهة المسلمين، فلا يجوز نقضه، وهذا باتفاق الفقهاء، وأما للذميين فالعقد غير لازم، فيجوز لهم نقضه متى شاءوا، واتفق الفقهاء على أن الذميين مطالبون بالالتزام بأحكام الشـريعة الإسلامية (أي: المدنية والجنائية) وأما أحكام العبادات وما يدينون به، فلهم ما يدينون به؛ كأكلهم الخنازير وشـربهم الخمور، لكن لا يُحدِثون بِيعة، ولهم أن يرمموا أماكن عبادتهم فقط.

(4) تقدم أنهم يطالبون بأحكام الشـريعة في النفس والمال والعرض؛ فمن قتل منهم قتلناه، ومن أتلف مالًا ضَمَّنَّاه، وإذا أتلف المسلم لهم مالًا ضَمِنه، ولا يجوز أن نغتالهم ولا نقذفهم بالزنا، ومن أتى منهم حدًّا يعتقدون تحريمه فتحاكموا إلينا، أقمنا عليه الحد؛ كمن زنى أقمنا عليه حد الزنا، فإن لم يتحاكموا إلينا تركناه، وأما إن جاء بما يوجب الحد لكنه لا يعتقد تحريمه؛ كشـرب الخمر، فإننا لا نقيم عليه الحد، لكن عليهم ألا يظهروا ذلك، فمن أظهر شـرب الخمر عزرناه.

(5) يرى جمهور الفقهاء أنه ينقض عهدهم بالامتناع عن أداء الجزية، أو الامتناع عن تطبيق أحكام الشـريعة العامة، أو الاجتماع على قتال المسلمين.

(6) لا يجوز القيام لهم، ولا تصديرهم في المجالس، ولا بدؤهم بالسلام؛ لقوله ﷺ: «لا تبدءوهم بالسلام، واضطَرُّوهم إلى أضـيق الطرق»[3]، ولكن إن بدءونا بالسلام وجب الرد عليهم بقولنا: «وعليكم»؛ لما ثبت في الحديث: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»[4].

ويرى شـيخ الإسلام جواز بداءتهم بقولنا: كيف حالك؟ وكيف أصبحت؟ لأن هذا مجرد ترحيب، بخلاف السلام فإن فيه معنى الدعاء لهم.

(7) هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم؟[5].

الجواب: أما التهنئة فهي تنقسم إلى قسمين:

الأول: تهنئة بأعيادهم؛ كعيد الكريسمس، وعيد الفصح؛ فهذا حرام بلا شك.

الثاني: تهنئة دنيوية؛ كأن يولد له مولود، أو يوجد له مفقود، فهذه فيها نظر، إن كان في ذلك مصلحة؛ كتأليف على الإسلام، أو مكافأة لهم على عمل قدموه، فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة، فلا يجوز؛ لأن ذلك نوع إكرام.

وأما التعزية: فلا يعزون؛ لأن التعزية تسلية للمصاب، وكيف يسلى على مصاب وقد قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة:52]؟

قال ابن عثيمين: (وهذا لا شك في أهل الحرب، لكن في أهل الذمة، قال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة؛ كمصلحة التأليف لقلوبهم، أو للمكافأة؛ إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعل بهم)[6].

قلت: وفي جميع الأحوال لا يجوز المشاركة في مراسـيمهم، والحضور بكنائسهم.

وأما عيادتهم: فالصحيح أنها تجوز، لكن للمصلحة أيضًا كأن يرجى إسلامه[7].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة