تقدَّم بيان العقوبة في آية المائدة: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [المائدة:33].
لكن هل هذه العقوبات على التخيير أو أنها على قدر الجناية؟ فيه خلاف:
القول الأول: أنها على قدر الجناية، وهذا قول جمهور العلماء؛ من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ودليلهم: ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسـير الآية قال: (المعنى: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصـروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أرعبوا ولم يأخذوا شـيئًا ولم يقتلوا)[1].
ومع اتفاق أصحاب هذا القول على أن العقوبة للتنويع، إلا أنهم اختلفوا في كيفية هذا التنويع على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: إن قتلوا معصومًا ولم يأخذوا مالًا قتلوا، وإن أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا وأخذوا المال كان الإمام بالخيار؛ إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم أو صلبهم، وإن شاء لم يقطع وإنما يقتل أو يصلب.
ومذهب الشافعية والحنابلة: إن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخافوا نُفُوا من الأرض.
وبهذا نعلم أنهم اختلفوا في الصورة الثالثة؛ وهي: إذا أخذوا المال وقتلوا، واتفقوا في صورة أخذ المال فقط، وكذلك في صورة القتل فقط.
القول الثاني: أن العقوبة في جميع الحالات للتخيير، ومرجعها إلى اجتهاد الحاكم ونظره ومشورة الفقهاء، بما يراه أتم للمصلحة وأدفع للفساد، إلا أنه إذا قتل فلا بد من قتله.