أجمع العلماء على أن الأصل في الدية: الإبل، ثم اختلفوا في تحديد الدية بغير الإبل، وإليك آراء المذاهب:
(1) مذهب الشافعي في الجديد: أنه إذا وجدت الإبل فلا يُعدَل إلى غيرها، وأما إن عدمت حسًّا؛ بأن لم توجد في موضع يمكن تحصـيلها منه، أو عدمت شـرعًا بأن وجدت أكثر من ثمن مثلها، فالواجب (قيمة الإبل) بنقد البلد الغالب.
ودليلهم: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، كان ذلك كذلك حتى استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام عمر خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت. فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشـر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة»[1].
(2) مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي في القديم وأحمد في إحدى الروايات: أن أصول الدية ثلاثة: وهي: الإبل، والذهب، والفضة، فيجزئ دفعها من أي نوع منها.
ودليلهم: حديث عمرو بن حزم في الديات: «وإن في النفس الدية؛ مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار»[2]، وعلى هذا فتقديرهم في الإبل: مائة بعير، وفي الذهب: ألف دينار، أما الفضة فأكثر العلماء يجعلها اثنتي عشـر ألف درهم، وعند الحنابلة: عشـرة آلاف درهم.
(3) مذهب صاحبي أبي حنيفة وأحمد: أن أصول الدية خمسة: وهي الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم، ويزيد الصاحبان «الحلل»، فبأي شـيء منها أحضـره الجاني لولي الدم قبله. ودليلهم: ما تقدم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
قلت: والراجح من ذلك أن الإبل هي (الأصل) في تحديد الدية، وأن غيرها من الذهب والفضة (تقويم) للإبل، ولذلك فإن عمر رضي الله عنه قوَّمها وزاد عما كان لغلاء الإبل، ولو كانت هذه الأشـياء أصولًا لما كان لذكر الغلاء معنى.
ومما يؤيد ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بعد ذكر الدية من الإبل قال: «وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الوَرِق، ويقومها على أهل الإبل؛ إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الوَرِق، قال: وقضـى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاة ألفي شاة»[3].