أولا: فدية الأذى:
وهي صـيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة:196] هكذا على التخيير، والمحظورات التي يجب بها فدية الأذى هي:
لما ثبت في حديث كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسـي، فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟» قلت: لا، فنزلت الآية: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ قال: «هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع لكل مسكين»، وفى رواية فقال له رسول الله ﷺ: «كأن هوامك تؤذيك؟» فقلت: أجل، قال: «فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين»[1].
(ب) تقليم الأظفار ولبس الثياب وتغطية الرأس والتطيب:
أوجب العلماء فدية الأذى على من ارتكب محظورًا من هذه المحظورات السابقة قياسًا على حلق الرأس؛ قال الشنقيطي رحمه الله: (ولا دليل عندهم للزوم الفدية في ذلك إلا القياس على حلق الرأس المنصوص عليه في آية الفدية)[2]. وقال: (واعلم أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ولا سنة على أن من استعمل الطيب وهو محرم يلزمه الفدية، ولكنهم قاسوا الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه) [3].
(1) يلاحظ أن الصـيام لا يشترط أن يكون متتابعًا.
(2) الشاة تكون من الماعز أو الضأن، ذكرًا أو أنثى.
(3) الفدية على التخيير، فأيها فعل فقد أجزأ عنه.
(4) يجوز الصـيام لفدية الأذى في أي وقت، ولا يشترط في أيام الحج.
(5) يجوز ذبح الشاة حيث شاء على الأرجح، وكذا الإطعام، ولا يشترط لها أن تكون في الحرم. قال القرطبي في التفسـير: (اخْتَلَف العلماء في موضع الفدية المذكورة؛ فقال عطاء: ما كان من دم فَبِمَكّة، وما كان مِن طعام أو صـيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي، وعن الحسن أن الدم بمكة.
وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصـيام لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله سبحانه: ﱡﭐ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﱠ [المائدة:95] رِفقًا لمساكين جيران بيته، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصـيام. والله أعلم.
وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد. والذبح هنا عند مالك نُسُك وليس بِهَدْي لِنَصّ القرآن والسنة، والنُّسُك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلاّ بِمَكة، ومِن حُجّته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه، وفيه: فأمَرَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بِرَأسِه -يعني رأس حسـين- فَحُلِق، ثم نَسَك عنه بالسّقيا، فَنَحَر عنه بعيرًا. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: وكان حسـين خَرَج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة. وجائز عند مالك في الهدي إذا نُحِرَ في الحرم أن يُعْطَاه غير أهل الحرم؛ لأن البُغية فيه إطعام مساكين المسلمين؛ قال مالك: ولَمَّا جاز الصوم أن يُؤتى به بغير الْحَرَم جاز إطعام غير أهل الْحَرَم. ثم إن قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ﴾ الآية. أوضح الدلالة على ما قلناه؛ فإنه تعالى لمَّا قال: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ لم يَقُل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه. وقال: ﴿ أَوْ نُسُكٍ ﴾ فَسَمّى ما يُذبح نُسُكا، وقد سَمّاه رسول الله ﷺ كذلك، ولم يُسَمِّه هَديا، فلا يلزمنا أن نَرُدّه قِياسًا على الْهَدْي، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن عليّ. وأيضًا فإن النبي ﷺ لَمّا أمَرَ كَعْبًا بِالفْدِية ما كان في الْحَرَم، فَصَحّ أن ذلك كُلّه يكون خارج الْحَرَم. وقد رُوي عن الشافعي مثل هذا في وَجْه بعيد)[4]اهـ. وبِنحو هذا قال ابن عبد البر في الاستذكار والله تعالى أعلم.
(6) لا يجوز له الأكل من فدية الأذى والله أعلم.
(7) الفدية إنما تجب بحلق الرأس الذي به إماطة الأذى، وأما حلق بعض الشعرات أو بعض الرأس، فلا تجب فيه الفدية، وكذلك إذا حلق شعرًا آخر غير شعر الرأس، وقد سبق حكم المسألة[5]. قال الشنقيطي رحمه الله بعد أن ساق أقوال العلماء في حلق بعض الرأس وحلق شعر الجسد قال: (وإذا علمت أقوال الأئمة رحمهم الله في شعر الجسد، فاعلم أني لا أعلم لشـيء منها مستندًا من نص كتاب أو سنة. والأظهر أنهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس بجامع أن الكل يحصل بحلقه الترفُّه والتنظُّف)[6].
(8) لو حلق شعره ناسـيًا فلا شـيء عليه.