حجم الخط:


أولاً: فضل مكة[1]:

اعلم يا أخي أن الله تعالى جعل لمكة في الفضل مزايا، وخصها ببيته الذي هو قبلة للبرايا، وبحجه الذنب مغفور، وبالطواف به تكثر الأجور.

اختار الله خير الأماكن والبلاد وأشـرفها وهي البلد الحرام، وجعلها مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد، من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رءوسهم، متجردين عن لباس أهل الدنيا، فمن فضائلها:

(1) جعلها الله حرمًا آمنًا:

قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل:91].

وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها، غيرها. وليس على وجه الأرض موضع يشـرع تقبيله واستلامه، وتحط بذلك الخطايا والأوزار، غير حجرها الأسود، وركنها اليماني.

(2) والصلاة في مسجدها الحرام بمائة ألف صلاة:

عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة»[2].

(3) وهي أحب بلاد الله إلى الله ورسوله ﷺ:

عن عبد الله بن عدي رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ على راحلته، واقفًا بالحزورة يقول: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»[3]. «والحزورة»: موضع بمكة.

(4) وهى الحبيبة إلى قلب نبينا ﷺ:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أطيبَكِ من بلدة، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»[4].

(5) ولقد حرمها الله يوم خلق السموات والأرض:

قال ﷺ: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي قط إلا ساعة من الدهر، لا يُنفَّر صـيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها[5]، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد»[6].

وفي رواية: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب»[7].

(6) ومن خصائصها: كونها قبلة لجميع المسلمين،

فليس على وجه الأرض قبلة غيرها.

(7) ومن خصائصها أيضًا: أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة

دون سائر بقاع الأرض.

(8) ومما يدل على تفضـيلها:

أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى، فالقرى كلها تبع لها، وفرع عليها. وهى أصل القرى، فيجب ألا يكون لها في القرى عديل، كما أن الفاتحة أم الكتاب وليس لها في الكتب الإلهية عديل.

(9) ومن خصائصها: أنه لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام،

وهذه خاصـية لا يشاركها فيها شـيء من البلاد، وهذه المسألة تلقاها الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(10) ومن خصائصها: أنها يعاقب فيها على الهم بالسـيئات وإن لم يفعلها؛

قال تعالى: ﴿ عز وجل يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]، ومن هذا تضاعف مقادير السـيئات فيها، لا كمياتها.

وقال ﷺ: «الكبائر تسع: أعظمهن إشـراك بالله، وقتل بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين، والسحر، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا»[8].

وقد ظهر سـر هذا التفضـيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهي القلوب، وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد. ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا اشتياقًا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة