أقل الجماعة اثنان؛ لما تقدم في الحديث: «إذا حضـرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما»[1]. وعلى هذا فيكون ترتيب الصفوف على النحو الآتي:
(أ) إذا كان المأموم رجلًا أو صبيًّا فإنه يقف عن يمين الإمام بجانبه تمامًا فلا يتقدم عنه ولا يتأخر؛ قال الإمام البخاري رحمه الله: باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين، ثــم أورد فيه حديث ابن عباس وصلاته خلف النبي ﷺ في بيت خالته ميمونة[2]، وفي بعض ألفاظه أن ابن عباس قال: «فقمت إلى جنبه». قال الحافظ رحمه الله: (وظاهره المساواة)[3].
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن، قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم[4].
وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح (يعني: يصلي)، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه[5].
وعلى هذا فمن الأخطاء الشائعة أن يقف المأموم خلف الإمام قليلًا بأن يجعل أصابع قدمه عند مؤخرة قدم الإمام، وقد يبتعد عنه قليلًا، والصواب ما تقدم من محاذاته سواء بسواء، بأن تكون قدمه بقدمه صفًّا واحدًا.
(ب) فإن كانوا ثلاثة فأكثر تقدم الإمام وصَف المأمومان أو المأمومون خلفه؛ فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ، وأمي أم سليم خلفنا»[6].
ومما يؤكد ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: «قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني، حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه»[7].
ويجوز أن يقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره إذا كانا اثنين فقط؛ لما ثبت عن ابن مسعود أنه وقف بين علقمة والأسود وصلى بهما، وقال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل»[8]. ورواه مسلم ولفظه: قال يعني علقمة أو الأسود وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه.
ويرى بعض أهل العلم أن ذلك منسوخ، ويرى آخرون أن ذلك إذا كانت الصلاة فرضًا، والحالة الأولى في حالة النفل، والراجح جواز الأمرين جميعًا، وإن كانت الأولى أعني وقوفهم خلف الصف هي الأفضل. وقد حكى النووي (5/16) أن استقر الإجماع على ذلك.
(1) إذا أمت المرأةُ المرأةَ وقفت بجانبها، فإن كنَّ نسوة وقفت وسطهن كما تقدم.
(2) إذا كان مع الرجلين امرأة، وقف الرجل بحذاء الإمام ووقفت المرأة خلفهما، فإن كان معه مأمومان وقفا خلفه ووقفت المرأة خلفهما؛ لحديث أنس السابق.
فإن كان مع الإمام امرأة فقط صلت خلفه، وفي هذه الصورة يكره أن يؤم الرجل المرأة الأجنبية بمفردها حتى لا تكون خلوة إلا أن تكون من محارمه. وهذه الكراهة كراهة تحريم كما نص على ذلك الإمام النووي[9].
(3) إذا وقف المأموم عن يسار الإمام أداره الإمام من خلفه حتى يوقفه عن يمينه؛ كما فعل النبي ﷺ بابن عباس، وبجابر رضي الله عنهم.
(4) إن وقف المأموم عن يمين الإمام، ثم جاء آخر فوقف عن يساره، أخرهما الإمام إلى ورائه؛ لما تقدم في حديث جابر. قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا يتقدم الإمام إلا أن يكون وراءه ضـيق، وإن تقدم جاز)[10].
(5) إذا صلى المأموم عن يسار الإمام ولم يُدِرْه الإمام عن يمينه، فهل صلاة المأموم صحيحة أو باطلة؟
مذهب الحنابلة بطلان صلاته، إلا إذا كان عن يمين الإمام رجلٌ آخر؛ لحديث ابن مسعود المتقدم[11].
ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة ورواية عن أحمد: أن صلاته صحيحة على كل حال إلا أنه خالف السنة، وهذا هو الراجح؛ لأنه لم ينص دليل صـريح ببطلان الصلاة.
(6) إذا كبر اثنان خلف الإمام، ثم خرج أحدهما لعذر، تقدم الثاني حتى يقف بحذاء الإمام عن يمينه.
(7) علمنا أن السنة أن المرأة تقف خلف الرجال، وكذلك صفوف النساء خلف صفوف الرجال. فما الحكم لو خالفت؟ يعني لو صلت بحذائهم أو أمامهم؟
قال ابن حجر رحمه الله: (فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعن الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة)[12].
والصحيح من ذلك قول الجمهور؛ قال النووي رحمه الله: (وعمدتنا أن الأصل أن الصلاة صحيحة حتى يرد دليل صحيح شـرعي في البطلان، وليس لهم ذلك...)[13].
قلت: ولا يخفي أنها تكون آثمة لو تعمدت ذلك.