الثالثة: حكم التسعير:
عن أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله لو سعَّرت؟ فقال: «إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ﭬ ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»[1].
والتسعير: هو أن يصدر السلطان أو نائبه أمرًا لأهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير، وأنه مظلمة، ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير -أي: بزيادة- الثمن، وإذا تقابل الأمران، وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضـى به مُنافٍ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء:29]، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء...وظاهر الحديث عدم الفرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص وبين ما كان قوتًا وغيره)[2].
هذا وقد رأى الإمام مالك جواز التسعير إذا دعت إلى ذلك مصلحة؛ منعًا للاستغلال واعتبارًا للمصلحة المرسلة. وذهب إلى ذلك أيضًا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، بشـرط أن يكون سعرَ عدلٍ. قال ابن القيم رحمه الله: (وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس -مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل- فهو جائز، بل واجب... فإذا كان الناس يبيعون سلعتهم على الوجه المعروف، من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشـيء، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها -مع ضـرورة الناس إليها- إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير هنا إلزامهم بالعدل الذي ألزمهم الله به)[3].
أن يجتهد الناس في أموالهم زيادة ونقصانًا، وهذا يدعو إلى المصلحة العامة؛ لأن التجار يتنافسون في عرض بضائعهم وتحسـينها، وأما التسعير، فإنه يؤدي إلى إهمال التجار إحضار السلع الجيدة للناس، كما يؤدي إلى إخفاء السلع لبيعها سـرا بغير التسعير، ويظهر ما يعرف الآن بالسوق السوداء، والله أعلم.