الثانية: حكم إطالة الشعر وحلقه:
(أ) إطالة الشعر:
يجوز للرجل إطالة الشعر إلى منكبيه؛ فعن أنس رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان يضـرب شعرُ رأسه منكبيه»[1].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لرسول الله ﷺ شعر دون الجُمَّة، وفوق الوَفْرة»[2].
و«الجُمَّة»: ما تدلى إلى المنكبين، و«الوفرة»: ما يبلغ شحمة الأذنين.
وينبغي ألا يطيل شعره زيادة عن هذا القدر؛ حتى لا يكون متشبهًا بالنساء، ولا شك أن الأصل في شعر المرأة الإطالة، وهناك ملاحظات أوردها الشـيخ الألباني فيمن يطيل شعره من الرجال إذ قال: (إن اتخاذ الشعر وتركه لا بد له من لوازم، ومنها:
(1) الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لهديه ﷺ لنيل الأجر والثواب.
(2) ألا يكون في اتخاذه للشعر متشبهًا بالنساء، فيصنع به ما يصنع النساء بشعورهن من قبل الزينة الخاصة بهن.
(3) ألا يريد به التشبه بأهل الكتاب أو بغيرهم من أهل الأوثان، أو بعصاة المسلمين؛ كالفنانين من المغنين أو الممثلين، أو من سار على منهجهم كالماجنين من الرياضـيين في قصات شعرهم وتزيين رؤوسهم.
(4) أن ينظفه، ويرجله غبًّا، ويستحب دهنه وتطييبه وفرقه من منتصف رأسه، فإذا أطاله جعله ذوائب)[3].
وهل يقال: إن توفير الشعر سنة؟
قال الألباني: (وأما القول بأن توفير الشعر سنة، فليس عليه دليل تقوم به الحجة، ولا يكتفى في ذلك أنه صح عن النبي ﷺ؛ لأنه من العادات، فقد صح أيضًا أنه ﷺ دخل مكة وله أربع غدائر، -كما في كتابي مختصـر الشمائل المحمدية- والغدائر: هي الذوائب والضفائر، فهي مجرد عادة عربية، ولا يزال عليها بعضهم في بعض البوادي، أفيقال: إن ذلك سنة أيضًا؟! كلا، فإنه لا بد في مثل هذه العادات من دليل خاص يؤيد أنها سنة تعبدية، كيف وقد سوى النبي ﷺ بين الحلق وتركه؛ فقال: «احلقوه كله، أو اتركوه كله»[4][5].
(ب) حلق الشعر:
قلت: أما الحلق فيجوز للرجل كذلك حلق شعره أو تقصـيره؛ لما ثبت في الحديث: «احلقوه كله، أو اتركوه كله». فهذا يدل على الإباحة، شـريطة ألا يعتقد الإنسان أن في الحلق أو التقصـير عبادة، إلا في النسك، ولذا قسم ابن تيمية الحلق إلى ثلاثة أقسام:
(أ) إن كان في النسك فالحلق أو التقصـير عبادة يثاب عليها الإنسان.
(ب) وإن كان في غير نسك، مع عدم اعتقاده التعبد بالحلق، فهو جائز.
(جـ) وأما إن كان يحلق في غير نسك يعتقد بذلك التعبد لله عز وجل؛ فهو بدعة، وقد وصف النبي ﷺ الخوارج بقوله: «سـيماهم التحليق»[6].
وينبغي أن يراعى في الحلق ألا يقتصـر على حلق بعض الشعر وترك بعضه[7]؛ لما تقدم في الحديث: «احلقه كله، أو اتركه كله»، ولما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله عن القزع»[8]. ومعني «القَزَع»: أن يحلق بعض الشعر ويترك بعضه. قال ابن القيم: (والقزع أربعة أنواع:
أحدها: أن يحلق من رأسه مواضع من هاهنا وهاهنا، مأخوذ من تقزُّع السحاب، وهو تقطعه.
الثاني: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه، كما يفعله شمامسة النصاري.
الثالث: أن يحلق جوانبه ويترك وسطه، كما يفعله من الأوباش والسفل[9].
الرابع: أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره، وهذا كله من القزع، والله أعلم)[10].
أما فيما يتعلق بحلق الشعر للمرأة؛ فإنه يحرم على المرأة أن تحلق شعرها؛ لأن في ذلك تشبهًا بالرجال، ويجوز لها تقصـير شعرها. قال الحافظ ابن حجر: (كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها[11]، يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضـرورة، وقد أخرج الطبري من طريق أم عثمان بنت سفيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نهى النبي ﷺ أن تحلق المرأة رأسها»، وهو عند أبي داود من هذا الوجه بلفظ: «ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصـير»)[12].
وأما تقصـير الشعر ففي (صحيح مسلم) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة[13].
قال النووي: (و«الوفرة»: أشبع وأكثر من اللمة، و«اللِّمَّة»: ما يلم بالمنكبين من الشعر، قاله الأصمعي، وقال غيره: الوفرة أقل من اللمة، وهي ما لا يجاوز الأذنين، وقال أبو حاتم: الوفرة ما على الأذنين من الشعر. قال القاضـي عياض: المعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد وفاته ﷺ؛ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر... وتخفيفًا لمؤنة رؤوسهن... وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء)[14].
قلت: ويشترط في تقصـير شعر المرأة ألا يصل إلى حد يكون مشابهًا لشعر الرجل، ولا يكون المقصود من قصه التشبُّه برؤوس الكافرات، فإن ذلك حرام؛ لقوله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم»[15].
جمع الشعر ورفعه فوق الرأس:
ورد في الحديث قوله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سـياط كأذناب البقر يضـربون بها الناس، ونساء كاسـيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسـيرة كذا وكذا»[16].
قال النووي: (وأما «رؤوسهن كأسنمة البخت» فمعناه: يعظمن رؤوسهن بالخُمر -جمع خمار- والعمائم، وغيرها مما يلف على الرأس؛ حتى تشبه أسنمة الإبل البخت... واختار القاضـي أن المائلات اللاتي تمشطن المشطة الميلاء، قال: وهي ضَفْر الغدائر وشدها إلى فوق، وجمعها في وسط الرأس فتصـير كأسنمة البخت)[17].
قلت: وبناء على ما تقدم فإنه يدخل في ذلك ما يسمى بـ (الكعكة) فوق الرأس، ويدخل في معناه كل تسـريحة يرفع فيها شعر الرأس إلى أعلى كأسنمة البخت[18].