حجم الخط:

الحث على صدقة التطوع:

تقدم في الأبواب السابقة الأحكام المتعلقة بالزكاة المفروضة، ولكن الإسلام لم يكتف بذلك، بل حث على الصدقات التي فيها معنى البر والإحسان، وقد وردت في ذلك نصوص القرآن والسنة:

فمن الآيات:

* قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

* وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92].

* وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8].

* وقال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3].

ومن الأحاديث:

(1) حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعَدْل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل»[1]. ومعنى «يربيها» أي ينميها ويزيدها، و«فَلُوَّه»: ولد الناقة إذا فلي عن أمه أي فُصل عنها.

(2) وحديث عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ: «ما بقي منها؟» قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: «بقي كلها غير كتفها»[2]. ومعناه: أنهم تصدقوا بها إلا كتفها.

(3) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس»[3]. ومعنى «اقتنى»: ادخر.

(4) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرَّة، فإذا شـرجة من تلك الشـراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان؛ للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها؛ فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه»[4].

ومعنى «الحرَّة»: أرض بها حجارة سود كثيرة، «شـرجة»: جمعها شـراج، وهي مسايل المياه في الحرَّة، و«المِسْحاة»: الآلة التي يحول بها الماء إلى أرضه.

(5) وحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما منكم من أحد إلا سـيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان؛ فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي رواية: «من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل»[5].

(6) وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضـى بين الناس، أو قال: حتى يحكم بين الناس»[6].

(7) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ضـرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديد، قد اضطُرت أيديهما إلى ثُدِيِّهما وتَراقِيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تُغشـي أناملَه وتَعفُو أثرَه، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلَصت وأخذت كل حلقة مكانها»، قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعيه هكذا في جيبه؛ يوسعهما ولا تتوسع[7]. ومعنى «قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما» أي ألجئت إليها، ولصقت بها، كأنها مغلولة إلى أعناقها، و«حتى تُغشـي أنامله» أي: تغطيها وتسترها، و«تعفو أثره» أي تمحو أثر مشـيته وتطمسه، يعني: أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشـي لابسه بمرور الذيل عليه.

(8) وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشـرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله؛ أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ: «بخٍ ذاك مال رابح، بخ ذاك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ: وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه[8].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة