* أن يخطب قائمًا، ويجلس بين الخطبتين: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم كما يفعلون اليوم»[1]. واختلف العلماء في حكم القيام للخطبة:
القول الأول: قالوا: القيام للخطبة واجب، وهو قول الجمهور.
القول الثاني: قالوا: القيام للخطبة سنة، وهو مذهب أبي حنيفة؛ ووجه عند الشافعية وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم[2] وهو الراجح.
وقال أكثر المالكية: إن قيام الخطيب حال الخطبة واجب، فإن خطب جالسًا مع القدرة على القيام فقد أساء، وتجزئه[3].
وهناك قول ثالث أن قيام الخطيب حال الخطبة شـرط مع القدرة عليه، وهذا هو المشهور عند الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه[4].
* يسلم على المأمومين إذا صعد المنبر: وذلك لما ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم»[5]، وهو الثابت عن الخلفاء؛ فقد ثبت ذلك عن عمر وعثمان، وهذا يدل على مشـروعية التسليم من الخطيب على الناس بعد أن يرقى المنبر وقبل أن يؤذن المؤذن. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو مذهب ابن عباس وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهم[6].
ويرى الشافعية أنه يسلم على الناس عند دخوله المسجد وإذا صعد على المنبر، وأما الحنفية فيرون كراهة تسليم الخطيب إذا صعد المنبر[7].
ومما سبق يتبين أن إلقاء السلام مستحب؛ لفعل الخلفاء واستمرار العمل عليه، والله أعلم.
* وبعد أن يسلم يجلس ثم يؤذن المؤذن؛ فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: «كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد»[8].
«والزوراء»: موضع بسوق المدينة كما قال البخاري، وإنما فعل ذلك عثمان ليُعْلِم الناس بدخول وقت الصلاة، وعلى هذا فلا يصح في زماننا إلا أذان واحد؛ لأن إمكانية معرفة دخول وقت الصلاة ميسـرة، فانتفت علة مشـروعية أذان عثمان، والله أعلم.
ويشـرع للحضور استقبالهم للخطيب حال الخطبة، وذلك لما ثبت عن عدي ابن ثابت عن أبيه، عن جده قال: «كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم»[9].
* ويستحب تقصـير الخطبة وتطويل الصلاة: لما ثبت في الحديث عن عمار بن ياسـر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصـر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصـروا الخطبة»[10]، ومعنى «مئنَّة»: علامة.
* ويستحب رفع الصوت مع الموعظة: ليكون ذلك أوقع في النفس، خاصة إذا احتاج الأمر لرفع الصوت؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صَبَّحكم ومَسَّاكم»[11].
* ولا يرفع الخطيب يده حال الدعاء: لما ثبت عن حصـين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارة بن رويبة بشـر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: «قبَّح الله هاتين اليدين؛ لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا؛ وأشار بـإصبعه السبابة»[12]، رواه مسلم، ورواه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وعندهما أنه رآه يرفع يديه في الدعاء[13]. وعليه فيقيد المنع من رفع اليدين حال الدعاء فقط، وفيه دليل على مشـروعية الدعاء في الخطبة، وأنه جائز.
وقد ذهب الشوكاني رحمه الله إلى كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء، وقال: إنه بدعة[14]. وقال ابن تيمية رحمه الله: (ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا)[15].
لكن هل يجوز تحريك اليدين في غير الدعاء؟
الظاهر من كلام الشوكاني وابن تيمية السابق تخصـيص ذلك بالدعاء، ومما يؤيد جوازه في غير الدعاء، خاصة عند الانفعال؛ ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر:67]، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها يقبل ويدبر: يمجد الرب نفسه: أنا الجبار أنا المتكبر... الحديث[16]، ففي هذا الحديث تحريك يديه، والله أعلم.