الصـيغة الثانية: صـيغة الشـرط والجزاء:
وذلك كقول القائل: إن فعلت كذا فامرأتي طالق، أو فزوجتي عليَّ حرام، أو نحو ذلك.
قلت: قد عقد شـيخ الإسلام ابن تيمية بحثًا واسعًا في تحقيق هذه الألفاظ، وبيان ذلك: أن هذا القسم الذي فيه الشـرط والجزاء على ستة أنواع[1]:
الأول: أن يكون مقصوده الشـرط فقط:
كأن يقول لامرأته: إن أعطيتني ألف جنيه فقد خالعتك، أو فأنت طالق، فمقصوده وشـرطه المال، فهذا إن أعطته التزم الجزاء -وهو الخلع أو الطلاق- لأن ذلك على سبيل العوض، أي: يقع الطلاق إذا وقع الشـرط.
الثاني: أن يكون مقصوده الجزاء فقط:
كأن يقول لزوجته: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، فهو لا حاجة له في طلوع الشمس، ولكنه يؤخر الطلاق إلى وقت بمنزلة تأخير الدين، فهذا مقصوده الجزاء. قلت: أي: أنه يقع منه الطلاق عند وقوع الشـرط، بل إن بعض الفقهاء يرى وقوع الطلاق في حينه.
الثالث: أن يكون مقصوده وجودهما (الشـرط والجزاء):
مثل الذي آذته امرأته حتى أحب طلاقها واسترجاع الفدية منها، فقال: إن أبرأتني من صداقك فأنت طالق، فهو يريد كلا منهما؛ يعني الشـرط (وهو الفدية) والجزاء (وهو الطلاق)، فإن أبرأته وقع الطلاق.
الرابع: أن يكون مقصوده عدم الشـرط، فإن وجد لم يكره الجزاء:
أي أن كلامه خرج مخرج التوكيد أو الحض، كأن يقول لزوجته: إن ضـربت أمي فأنت طالق، فهو لا يريد طلاقها، لكنه في الوقت نفسه إذا ضـربتها فهو في هذه الحالة لا يكره طلاقها؛ لأنها لا تصلح له، ففيه معنى اليمين ومعنى التوقيت، ففي هذه الحالة إن ضـربت أمه وقع الطلاق.
الخامس: أن يكون مقصوده عدم الجزاء
وتعليقه بالشـرط لئلا يوجد الجزاء، وليس له غرض في عدم الشـرط، كأن يقول: إن أصبت مائة رمية أعطيتك كذا، أي أنه يعجزه بالشـرط حتى لا يقع الجزاء، فهذا لا يقع به شـيء.
السادس -وهو أهمها-: أن يكون مقصوده عدم الشـرط وعدم الجزاء
وإنما تعلق الشـرط بالجزاء ليمتنع وجودهما، كأن يقول: إن لم أفعل كذا وكذا فعلي نذر كذا، أو فامرأتي طالق، أو يحلف على فعل غيره؛ فيقول له: إن لم تفعل كذا فأمرأتي طالق، فهو لا يريد الطلاق، وإنما يؤكد على نفسه بوقوعه لكيلا يفعل ما اشترطه على نفسه.
قال: (فمتى كان الشـرط المقصود حضًّا على فعل، أو منعًا منه، أو تصديقًا لخبر، أو تكذيبًا؛ كان الشـرط مقصود العدم هو وجزاؤه)[2].
ثم أورد الفتيا عن الصحابة رضي الله عنهم في العتق؛ أنه إذا حلف فقال: كل عبد له حر إن لم يفعل كذا، هو بمنزلة أن يقول: فعلي أن أعتقه، وقد أفتى الصحابة لقائل ذلك بأن عليه أن يكفر عن يمينه، وإنما لم ينقل عنهم مثل ذلك في مسائل الطلاق؛ لأنه لم يحدث في زمانهم، ولكن نقول مثل قولهم في العتق.
قال: (ويكون قوله: (إن فعلت كذا فأنت طالق) بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقك، كما كان عند هؤلاء الصحابة ومن وافقهم قوله: فعبيدي أحرار، بمنزلة: فعلي أن أعتقهم).
ثم استنبط من نصوص القرآن والسنة ما يدل على أنه يجزيه فيه الكفارة، بكلام طويل لا يسعه هذا المختصـر؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ [التحريم:1] إلى قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ [التحريم:2]. فجعل مجرد تحريم الإنسان الشـيء على نفسه فيه الكفارة، وسماها يمينًا.