ذكرنا من قبل أن الزكاة لا تجب حتى تبلغ النِّصاب، وأنه لا بد أن يمر عليها حول كامل في زكاة الأنعام والنقدين وعروض التجارة. فإن كان عنده مال لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه، فإن استفاد مالًا آخر من جنس ما عنده فكمل به النصاب انعقد عليه حول الزكاة من وقتها، فإذا مضـى الحول، والنصاب لم ينقص، فقد وجب عليه إخراج الزكاة.
وإن كان عنده النصاب أصلًا، ثم استفاد مالًا آخر أثناء الحول، فكيف يحسب هذا المال الزائد؟
اختلف العلماء في زكاة هذا المال على قولين:
القول الأول: قسم أحوال هذا المال إلى ثلاثة أقسام[1]:
(1) أن يكون المستفاد من نمائه: أي: ناتج ومتولد من المال الذي معه؛ كربح مال التجارة ونتاج السائمة (أي: ما تلده الأنعام أثناء الحول)، فهذا يجب ضمُّه إلى ما عنده من أصله، فيعتبر حولًا بحوله. قال ابن قدامة رحمه الله: لا نعلم خلافًا. قلت: ومعنى هذا فإنه يخرج الزكاة في آخر الحول عن كل ما معه (الأصل، مضافًا إليه الزيادة المستفادة أثناء الحول).
(2) أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده، فهذا له حكم نفسه لا يضم إلى ما عنده في حول ولا نصاب، بل إن كان نصابًا استقبل به حولًا وزَكَّاه، وإلا فلا شـيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء.
مثال: لو كان عنده نصاب ذهب ثم استفاد في أثناء الحول فضة، فلا تضم إلى ما عنده لأنهما جنسان مختلفان. فإن كانت هذه الفضة نصابًا حسب لها حولًا مستقلًّا وإن كانت أقل من نصاب فلا شـيء عليه فيها.
(3) أن يستفيد مالًا من جنس نصاب عنده، قد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل، وليس من نماء المال الذي عنده، مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضـى عليها بعض الحول، فيشتري أو يوهب له مائة، فهذا الزائد لا تجب فيه زكاة حتى يمضـي عليه حول أيضًا، هذا رأي الحنابلة والشافعية، ومعنى هذا أنه يخرج زكاة الأربعين في وقتها، ويحسب للمال المستفاد حولًا مستقلًّا فيخرج عنه زكاته في حولها. وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يضم إلى الأصل ويخرج الزكاة عند تمام الحول. وأما المالكية فقد وافقوا الشافعية والحنابلة في النقدين، ووافقوا رأي الحنفية في السائمة.
القول الثاني: وهو رأي ابن حزم الظاهري على التفصـيل الآتي[2]:
(1) إذا كان يملك نصابًا، فاستفاد أثناء الحول من جنسه بحيث لا يغير من الزكاة المفروضة شـيئًا؛ كأن يكون عنده أربعون شاة فزاد تمام المائة والعشـرين شاة؛ فإن الزيادة تضم إلى ما عنده ويزكي الجميع لحول التي عنده أولًا.
(2) وأما إذا استفاد ما يغير حكم الفريضة، لكنها -أي: الزيادة- لو انفردت لا تبلغ نصابًا، فإنه يزكي الذي عنده وحده لتمام حوله، ثم يضم الزيادة- أي: في آخر الحول- ويستأنف بالجميع حولًا جديدًا.
مثاله: من عنده مائة وعشـرون شاة، ثم استفاد شاة فأكثر، أو كان عنده مائتا درهم، فاستفاد مائة درهم[3].
(3) أما إذا ملك نصابًا، ثم استفاد في أثناء الحول نصابًا آخر فإنه يزكي كل مال لحوله[4].
فإذا نقص الأول إلى ما لا زكاة فيه، فإنه إذا حال حول المال المستفاد زكَّاه ثم ضم الأول حينئذ إليه، واستأنف بداية حول الجميع، والعكس كذلك: إذا نقص المال الثاني (المستفاد) إلى ما لا زكاة فيه وبقي الأول نصابًا فإنه يزكِّيه إذا حال حوله ويضم إليه الثاني، ويستأنف بالجميع حولًا كاملًا.