واختلف العلماء كذلك في المدة التي إذا أقامها المسافر يكون مقيمًا ويجب عليه الإتمام؛ فبعضهم يرى ألا تزيد عن أربعة أيام، وبعضهم يمدها إلى خمسة عشـر يومًا، وهناك أقوال أخرى؛ فمن ذلك قول من يقول: إن الشـرع أطلق، ولم يقيد ذلك بزمن، كما لم يقيده بمسافة، وقد ورد أن النبي ﷺ أقام في تبوك عشـرين يومًا يقصـر الصلاة[1]، وفي مكة سبع عشـرة ليلة يقصـر الصلاة[2]، وكانت هذه الإقامة موافقة أحوال، فلم يقل ﷺ: من أقام أكثر من ذلك أتم.
ولذلك كان هذا القول من الأقوال الراجحة: أن المسافر مسافر؛ سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو عشـرين يومًا، أو دون ذلك، أو أكثر.
قال ابن تيمية رضي الله عنها: (وأما من تبيَّنت له السنة، وعلم أن النبي ﷺ لم يشـرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان ولا مكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدد؛ لا ثلاثة ولا أربعة، ولا اثني عشـر، ولا خمسة عشـر، فإنه يقصـر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسـروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصـر الصلاة، وقد أقام المسلمون بـ «نهاوند» ستة أشهر يقصـرون الصلاة... مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضـي في أربعة أيام ولا أكثر،.... فما دام المسافر مسافرًا يقصـر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورًا)[3].
وهناك رأي آخر ذهب إليه الشوكاني رضي الله عنها - وهو أن المرء إما مسافر وإما مقيم، والأصل في المسافر: القصـر، وفي المقيم: الإتمام، أيًّا كان هذا السفر وهذه الإقامة، إلا أن يكون هناك ما يخرجه عن أصله، وقد تبين من السنة أن النبي ﷺ أذن للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثة أيام، مع نهيه ﷺ لمن هاجر من بلد أن يقيم فيها، فدل ذلك على أن الثلاثة الأيام لا تعد إقامة مستقرة، بل هو غريب مسافر، والله أعلم، وعلى ذلك فما زاد عن هذه المدة، فإنه يتم الصلاة؛ قال الشوكاني رضي الله عنها: (والحق أن من حط رحله ببلد ونوى الإقامة بها أيامًا من دون تردد لا يقال له: مسافر، فيتم الصلاة ولا يقصـر إلا لدليل)[4].
وقال ابن حزم رضي الله عنها: (وبالضـرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة في دار الإقامة، هذا حكم الشـريعة والطبيعة معًا، فإذ ذلك كذلك؛ فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصـيام والإتمام إلا بنص)[5]. وعلى هذا المعنى حملت أحاديث قصـره ﷺ يوم الفتح وتبوك؛ أن ذلك في حالة الحرب والتردد وعدم الاستقرار بالإقامة، وقد ذهب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى عدم القصـر لذلك.
وعلى كلٍّ فهذه من مسائل الاجتهاد، التي يسع فيها الخلاف.