حجم الخط:

المسألة الخامسة: ما يرجع إليه ويحمل عليه اليمين:

(1) يرجع اليمين أولًا إلى نية الحالف إذا كان اللفظ يحتمله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة:89]، وقوله: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، فكما كان حكمُ أصلِ اليمين المؤاخَذ به بحسب نيته: هل هي يمين منعقدة أو لغو؛ فمن باب أولى أن يرجع إلى نيته في المراد بيمينه. وأيضًا ففي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[1].

مثال: لو قال: والله لا أكلم هذا الصبي، فلما كبر الصبي كلمه، فقلنا له: إنك حلفت ألا تكلمه، قال: إنما قصدت ما دام صبيًّا، فإنه لا يحنث، وأما إذا قصد ألا يكلمه مطلقًا فإنه يحنث.

(2) فإذا لم يكن للحالف نية، فيرجع حكم يمينه إلى سبب اليمين: فإذا سمع مثلًا عن رجل أنه شـرير، فقال: والله لا أكلم هذا الرجل أبدًا، ثم تبين بعد ذلك أن ما سمعه عن الرجل غير صحيح، بل هو رجل صالح وليس بشـرير، فإنه إن كلمه لا يحنث؛ لأنه امتنع عن الكلام بسبب شـره، فكأنه قال: والله لا أكلم هذا الرجل إذا كان شـريرًا.

(3) فإن لم يكن له نية، ولم يعرف له سبب؛ رجعنا فيه إلى التعيين: فإذا قال مثلًا: والله لا آكل هذا الرطب، فصار تمرًا، أو قال: والله لا أشـرب هذا اللبن، فصار جبنًا، ولا أكلم زوجة فلان، فطلقت؛ فإنه يحنث لو أكل التمر، أو الجبن، أو كلم المطلقة؛ لأنه عيَّن المحلوف عليه بالإشارة إليه بعينه إلا أن ينوي في يمينه أنه لا يفعل ذلك ما دام على هذه الصفة، فحينئذ لا يحنث، فإذا قال: أنا قصدت لا أكل هذا الرطب ما دام رطبًا، أولا أشـرب هذا اللبن ما دام لبنًا، أو لا أكلم هذه الزوجة ما دامت زوجة؛ فإنه يُصدَّق في قوله، ولا حنث عليه.

(4) فإن عدم ذلك؛ فالمرجع إلى ما يتناوله الاسم الذي حلف به: أي: المرجع إلى اللفظ الذي وقع الحلف عليه، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شـرعي، ولغوي، وعرفي، وقد تتفق الألفاظ في مدلولاتها الثلاثة؛ كلفظ السماء، والأرض، والبحر، ونحو ذلك، فمعناه الشـرعي واللغوي والعرفي واحد، فإذا قلت: السماء فهم المقصود منها، ولا يختلف المعنى الشـرعي عن اللغوي عن العرفي، وقد تختلف المدلولات؛ كلفظ الصلاة والطهارة ونحوهما، فالصلاة في اللغة: الدعاء، والطهارة لغة: النظافة، ولكن معناهما في الشـرع يختلف. واللحم؛ فإنه يشمل في اللغة الشحم والكبد والكرش ونحو ذلك، ولا يشمله في العرف.

وبناء على ذلك يقدم اللفظ الشـرعي، ثم اللغوي، ثم العرفي، وبعضهم يقدم العرف على اللغة وهذا الرأي قرره القرافي في الفروق وغيره

فإذا قال: والله لأصلين الآن، فقام فدعا (بناء على أن الصلاة بمعنى الدعاء لغة)، فإنه لم يبر في يمينه حتى يصلي الصلاة الشـرعية؛ لأن لفظ «الصلاة» يقصد بها المعنى الشـرعي أولًا.

وإذا قال: والله لا آكل لحمًا، فأكل شحمًا لا يحنث عند من يقدم العرف على اللغة، ويحنث عند من يقدم اللغة على العرف، والراجح في هذا المثال تقديم العرف؛ لأنه هو الذي يعقد عليه يمينه إلا إذا تبين خلاف ذلك.

ومثلًا: الشاة تطلق في اللغة على الضأن والمعز، ولكن في العرف تطلق على الضأن فقط، فلو قال: والله لا آكل لحم شاة فأكل لحم معز؛ فإنه لا يحنث للعرف، إلا إن قصد المعنى اللغوي فإنه يحنث.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة