خاطب الله المؤمنين بإقامة الحدود، وبيَّنت السنة العملية أن الحدود في زمن النبي ﷺ لم تقم إلا بإذنه، وكذلك في زمن الخلفاء رضي الله عنهم؛ فدل على أن إقامة الحدود إنما تكون بإذن الحاكم.
وأيضًا لو تُرك الأمر إلى آحاد الناس لانتشـرت الفتنة، ووقع الظلم في استيفاء الحدود؛ فتبين بهذا أنه لا بد أن تكون إقامتها من السلطان أو من ينيبه؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أناب في إقامة الحد؛ فمن ذلك قوله لأنيس: «واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»[1].
ولكن اختلف العلماء: هل يقيم الرجل الحد على عبده وأمته؟
فالذي ذهب إليه جمهور العلماء -خلافًا للحنفية- أنه يجوز للسـيد إقامة الحد عليهما؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرِّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين له زناها فليَبِعْها ولو بحبل من شعر»[2]. ومعنى «لا يُثرِّب»: التثريب: التوبيخ والتقريع.
وعن نافع «أن ابن عمر رضي الله عنهما قطع يد غلام له (يعني: عبدًا) سـرق، وجلد عبدًا له زنا، من غير أن يرفعهما إلى الوالي»[3].
قال الشـيخ ابن عثيمين: (والإقامة -يعني: إقامة الحد- لا بد أن يكون لها نية، ويجب على الإمام أيضًا، ومن الآداب أن ينوي بإقامة الحد أمورًا ثلاثة: أولًا: الامتثال لأمر الله في إقامة الحدود، ولا ينوي بذلك التشفي. ثانيًا: ينوى رفع الفساد. ثالثًا: إصلاح الخلق)[4].