حجم الخط:

تنبيه: الرد على شبهة استنكار الرق في النظام الإسلامي:

طعن بعض أعداء الإسلام في النظام الإسلامي بأنه أباح الرق، وزعموا أنه اضطهد طائفة من الناس بما لا يتناسب مع دعوته بالمساواة في أصل الخلقة، «كلكم لآدم وآدم من تراب»[1]. والرد على هذه الشبهة فيما يلي:

أولًا: تقدير الوضع الاجتماعي السائد:

إن الإسلام جاء إلى البشـرية، ونظام الرق نظام سائد في حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية، فلو أنه فرض عليهم إطلاق الرقيق فجأة وحتَّم عليهم ذلك، لكان ذلك الأمر يبوء بالإخفاق، ولعرض أوامره للمخالفة والامتهان وعدم القبول، فإقرار الإسلام للرق كان تحت هذه الظروف لحكمة سامية، وهي عدم تعرض الحياة الاجتماعية لهزه عنيفة تؤدي إلى أضـرار بالغة.

ثانيًا: تشـريع الوسائل التي تساعد على العتق تدريجيًّا:

ويتلخص ذلك في طريقين:

أ - تضـييق منافذ الرق:

بأن وضع قيودًا على بعض مناهج الرق التي كانت سائدة؛ فحرمها الإسلام ولم يجعلها وسـيلة للرق، بل جعل بعض صورها وسـيلة للعتق، فمن هذه النظم التي كانت سائدة وأبطلها الإسلام:

(1) تحريم استرقاق الحر: كان الحر إذا اختطف يُباع ويكون رقيقًا؛ قال ﷺ: قال الله: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره»[2].

(2) تحريم استرقاق من ارتكب بعض الجرائم: وكان هذا أيضًا من النظام السائد: أن من سـرق أو قتل يجعلونه رقيقًا لمصلحة الدولة، أو لمصلحة المجني عليه.

(3) تحريم استرقاق أولاد الجواري: وهذا من أعظم ما يفخر به الإسلام؛ لأنه بذلك فتح بابًا واسعًا للعتق، فالمرأة إذا حملت من سـيدها كان ولدها عبدًا في النظم القديمة، ولا شك أن هذا كان يدفع في المجتمع بالآلاف من الرقيق، فحرم الإسلام ذلك، وجعل أولاد الجواري أحرارًا، بل تصـير الجارية نفسها حرة إذا مات سـيدها؛ لأن ولدها حر، ويقال لها: أم ولد.

(4) هناك أشـياء أخرى حرَّمها الإسلام في نظام الرق؛ كاسترقاق المدين إذا عجز عن دفع دينه، وهذا ما كان واقعًا في نظام الرق قبل الإسلام.

(5) ومن ذلك تحريم أن يبيع الإنسان نفسه ويتنازل عن حريته إذا دفعه العوز إلى ذلك.

(6) ومنها تحريم استغلال الوالد سلطته في بيع بعض أولاده الذكور أو الإناث.

وعلى هذا فالإسلام لم يقر إلا نوعين فقط من الرق؛ وهما ما كان نتيجة البيع والشـراء للعبيد والجواري الأصليين، أو ما كان من أسـرى الحرب؛ ومع ذلك فقد فتح الأبواب ورغب في عتق هذين النوعين على ما يأتي.

على أنه أيضًا لم يجعل رق الحرب نتيجة حتمية لا بد منها، بل يبيح المن من غير مقابل، أو الفداء، بإطلاق سـراحهم مقابل مال، أو نظير تبادل الأسـرى.

ب - فتح منافذ العتق:

كان نظام الرق في النظم القديمة يضـيق المنافذ على نيل الحرية للرقيق، بل إنه لم يبح العتق إلا في حالة واحدة فقط؛ وهو إذا رغب السـيد في عتق عبده، وذلك في ظل شـروط قاسـية ومعقدة، بل إنهم في بعض المجتمعات كانوا يفرضون غرامة مالية كبيرة يدفعها السـيد للدولة إذا أعتق عبده، وأما الإسلام فقد وسع المنافذ للعتق؛ فمن ذلك:

(1) العتق بمجرد صدور كلمة العتق من السـيد، ولو كان هازلًا؛ قال ﷺ: «ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد، النكاح، والطلاق، والعتق»[3].

(2) الوصـية بالعتق؛ كأن يقول لعبده: أنت حر بعد موتي، ويسمى هذا العبد «المدبَّر»، ولا يجوز للسـيد إذا صدر منه هذا اللفظ الرجوعُ فيه، ولا يجوز له أن يبيعه أو يرهنه، أو يهبه، أى: أنه يمنع حق التصـرف فيه.

(3) العتق بسبب أن تحمل منه الجارية، وتسمى «أم الولد»، وقد حرم الإسلام بيع أمهات الأولاد، فقد أعتقها ولدها، وهذا الولد أيضًا حر، وقد تقدم أنه كان في النظم القديمة يصـير عبدًا.

(4) نظام المكاتبة: قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:32]، وذلك أن يتفق السـيد مع عبده أن يدفع له مبلغًا من المال، فينال بذلك الحرية، وحثت الآية على مساعدتهم والتصدق عليهم ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ، وظاهر الآية أنه يجب على السـيد قبول المكاتبة مع العبد إذا رغب العبد في ذلك؛ لأن الله أمرهم بذلك. لكن ذهب جمهور العلماء بأن الأمر في الآية للاستحباب؛ بدليل قوله: (وآتوهم) فلم يوجبه أحد، وبدليل أن الصحابة والتابعين لم يجبرهم أحد ولم يجبروا أحدا على عتق عبيدهم إذا طلبوا المكاتبة.

(5) العتق كفارة عن المعاصـي: وقد كانت الجرائم في النظم السابقة سببًا للرق، ثم صارت في نظام الإسلام سببًا للعتق؛ فتحرير العبد قربة يكفر بها العاصـي عن جرمه ومعصـيته؛ فجعله كفارة في القتل الخطأ، وفي كفارة من جامع في نهار رمضان.

(6) العتق في كفارة الأيمان، فتحرير الرقبة كفارة في يمين الظهار، وكفارة في الحنث في يمين الحلف.

(7) حبب الإسلام العتق تطوعًا: قال تعالى: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد:11-13]، وقال ﷺ: «من أعتق عبدًا أعتق الله به بكل عضو منه عضوًا من النار»[4].

(8) خصص الإسلام من أسهم الزكاة سهمًا لتحرير الأرقاء، أي: أنه جعل في ميزانية الدولة جزءًا لتحرير الرقيق، عكس ما كان سائدًا؛ أن من حرر عبدًا أخذت منه غرامة مالية.

وبهذا تعلم أن الإسلام ساعد مساعدة كبيرة في تحرير الأرقاء، ومن الملاحظ أنك لا تجد في كتب الفقه الإسلامي أبوابًا تسمى أبواب الرق، وإنما تجدهم يسمونها أبواب العتق، وذلك يدل على مدى الرغبة الشديدة المتوفرة في نصوص الشـريعة الإسلامية إلى عتق الأرقاء، ونيلهم الحرية، حتى صار الأمر إلى ما هو معلوم اليوم، حيث لا ترى رقيقًا واحدًا، وليس هذا بفضل قوانين الأمم المتحدة، فإلى عهدٍ قريب كان الرقيق في بلاد أمريكا، وتسلطهم على بلاد أفريقيا، ولا يسمح هذا المختصـر لبيان ظلمهم الذي كانوا يفرضونه على الرقيق، بل لا يسمح هذا أيضًا ببيان ظلمهم على بلاد الإسلام، وتشـريدهم وتعذيبهم لهم، مع ادعاءاتهم الكاذبة بأنهم يطالبون العالم بالحرية والمساواة ونزع العصبية ونحو ذلك. فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة