تنبيهات ومسائل متعلقة بالتيمم:
(1) يباح بالتيمم ما يباح به الوضوء والغسل؛ لأنه بدل عنهما، ولأن الشـرع سماه «طهورًا» كما سمى الماء «طهورًا» فقال ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». فهو كالماء سواء بسواء في رفع الحدث، إلا أنه لا يلجأ إليه إلا عند فقد الماء.
(2) وبناءً على ما تقدم فالراجح أنه يباح للمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من النوافل والفرائض ما لم يأت بناقض له.
(3) إذا تيمم الجنب أو الحائض، فإن التيمم يرفع الحدث وهو مذهب الحنفية واختيار ابن تيمية والشـيخ ابن عثيمين؛ فقد سمى الشـرع التراب طهورًا كما سمى الماء طهورًا، وفي بعض الروايات سماه وضوءا وقول من يقول إنه مبيح يعارض هذا الوصف؛ لأن لازم قوله أن الحدث مازال موجودًا وأنه لم يرفع، مع قول النبي التراب طهور المسلم، فهل يصح أن يقال بعد ذلك ليس بطهور بل هو مبيح فقط؟! فإن قال قائل لو كان رافعا للحدث فإنه لا يبطل برؤية الماء فالجواب أن الشـرع جعل هذا الرفع لأجل وهو قوله ﷺ: فإذا وجد الماء فليمسه بشـرته، وهذا ليس بمستنكر في الشـرع ألا ترى أن الملتقط يمتلك اللقطة بعد تعريفها ثم إذا جاء صاحبها عادت الملكية له؟ إلى أن يجد الماء، فإذا وجده وجب عليه الغسل؛ فعن عمران بن حصـين رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء، قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». ثم ذكر عمران أنهم بعد أن وجدوا الماء أعطى رسول الله ﷺ الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: «اذهب فأفرغه عليك»[1].
(4) يصح أن يأتم المتوضئ بالمتيمم؛ لحديث عمرو بن العاص المتقدم وصلاته بأصحابه وقد تيمم لشدة البرد.
(5) يجوز لمن فقد الماء أن يجامع أهله مع تيقنه أنه لا يجد ما يرفع به الجنابة، وأنه سـيكتفي بالتيمم؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: إني اجتويت المدينة فأمر لي رسول الله ﷺ بذود وبغنم فقال لي: «اشـرب من ألبانها»، فقال أبو ذر: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصـيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ، وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد فقال: «أبو ذر؟» فقلت: نعم؛ هلكت يا رسول الله قال: «وما أهلكك؟» قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصـيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأمر لي رسول الله بماء - إلى أن قال -: «يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشـر سنين، فإذا وجدته فأمسه جلدك»[2]. ومعنى «اجتويت المدينة» أي: استوخمها وأصابه الجوى، وهو داء في الجوف و«الذود» هو من الإبل من ثلاث إلى تسع، و«أعزُب» أي: ابتعد.
(6) إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة، وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة.
أما إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة، فإنه لا تصح الصلاة إلا أن يتطهر بالماء.
وكذلك إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فإنه يجب عليه الخروج منها والتطهر به.
والدليل على المسألة الأولى ما رواه النسائي وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر فحضـرت الصلاة، وليس معهما ماء فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين»[3]. أعله أبو داود بالإرسال (338) وتابعه أبو الوليد الطيالسـي ووصله في رواية ابن السكن كما نقل ذلك ابن القطان في الوهم والإيهام، وثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما تيمم وصلى العصـر، وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة[4]، فلم يعد، وأيضا فمن حيث النظر فإن الذي تيمم وصلى قد فعل ما أمر به شـرعا فمن أوجب عليه الإعادة فعليه الدليل.
والدليل على المسألتين الأخريين: حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشـر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشـرته فإن ذلك خير»[5].
لكن هل الأفضل أن يعيد لقوله: لك الأجر مرتين؟
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (إذا علمت السنة فليس لك الأجر مرتين، بل تكون مبتدعًا، والذي أعاد -أي في الحديث- لم يعلم السنة، فهو مجتهد فصار له أجر العملين الأول والثاني)[6].
(7) قال ابن تيمية رحمه الله: (ومن كان حاقنًا عادمًا للماء، فالأفضل أن يصلي بالتيمم غير حاقن من أن يحفظ وضوءه ويصلي حاقنًا)[7].
(8) إذا نسـي أن الماء قريب منه ثم صلى بالتيمم، ثم ذكر وجود الماء، فالأحوط أن يعيد الصلاة[8].
(9) هل يؤخر المرء الصلاة إلى آخر الوقت رجاء حصول الماء؛ أو يتيمم في أول الوقت؟
الراجح: أنه يصلي في أول الوقت؛ بدليل قوله ﷺ: «أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل»، ويتأكد تقديم الصلاة إذا كان المرء سـيدرك به صلاة الجماعة.
(10) إن كان قادرًا على استعمال الماء لكنه خشـي إن استعمله لوضوء أو غسل أن يخرج الوقت، فهل يتيمم ويصلي أو لا بد من استعمال الماء حتى لو خرج الوقت؟
الراجح: أنه لابد أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله[9].
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة لأن الله إنما أباح التيمم عتد فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله ولم يقيد ذلك بالخوف من خروج الوقت.
(11) إذا انقطع الماء عن سكان الحي فهذا لا يعني أنه فقد الماء؛ لأنه يمكنه أن يكون عند سكان مجاورين على مقربة منه، فعليه طلب الماء والوضوء منه.
(12) إذا وجد ماء يكفي بعض جسده، ففي المسألة قولان:
الأول: يلزمه استعماله ويتيمم للباقي، نص عليه أحمد فيمن وجد ما يكفيه لوضوئه وهو جنب، قال: يتوضأ ويتيمم.
والقول الثاني: يتيمم ويتركه. واختارت اللجنة الدائمة القول الأول (5/368).
(13) إن كان معه ماء لكنه يخاف العطش لو استعمله، أو يخاف العطش على رفيق معه، أو على بهائمه، احتبس الماء للشـرب، وتيمم[10]. قيل لأحمد: الرجل معه إداوة من ماء للوضوء، فيرى قومًا عطاشًا، أحب إليك أن يسقيهم أو يتوضأ؟ قال: يسقيهم.