يمكن أن نقسم ما يحرم على الجنب إلى قسمين: أحدهما: ما يحرم على الجنب بلا خلاف، والثاني: ما اختلف فيه العلماء وبيان الراجح منها. وإليك بيان ذلك:
المبحث الأول: ما يحرم على الجنب بلا خلاف:
يحرم عليه أداؤها حتى يتطهر؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ﴾ [النساء:43].
وذلك لقوله ﷺ: «إنما الطواف بالبيت صلاة».
المبحث الثاني: ما كان محل خلاف بين العلماء فيما يحرم على الجنب:
ذهب بعض العلماء إلى أن الجنب لا يقرأ القرآن؛ مستدلين على ذلك بما رواه أصحاب السنن عن علي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يقضـي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه -وربما قال لا يحجزه- من القرآن شـيءٌ، ليس الجنابةَ»[1].
وهذا ضعَّفه بعض أهل العلم، وحسَّنه آخرون، وعلى تقدير ثبوته فإنه لا يصلح دليلًا لمنع الجنب من قراءة القرآن؛ قال الشوكاني رحمه الله: (ليس فيه ما يدل على التحريم؛ لأن غايته أن النبي ﷺ ترك القراءة حال الجنابة، ومثله لا يصلح متمسكًا للكراهة فكيف يستدل به على التحريم!! وقد أخرج البخاري تعليقًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم ير في القراءة للجنب بأسًا، ويؤيده التمسك بعموم حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه[2]، وبالبراءة الأصلية حتى ما يصلح تخصـيص هذا العموم، وللنقل عن هذه البراءة)[3]، يعنى حتى يثبت ما يمنع من قراءة القرآن؛ إذ الأصل عدم المنع إلا بدليل، والدليل لم يثبت.
وهذا الحكم على عمومه للجنب والحائض. لكن الأفضل في حق الجنب أن يبادر بالاغتسال إذا أراد القراءة؛ لأنه أكمل في العبادة، ولقوله ﷺ: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر»[4].
والقول فيه كالقول في الحكم السابق بجواز مس المصحف للجنب. قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (والبراءة الأصلية مع الذين قالوا بجواز مس القرآن من المسلم الجنب، وليس في الباب نقل صحيح يجيز الخروج عنها)[5]. اهـ.
قلت: أما ما استدل به المانعون من قوله ﷺ: «لا يمس القرآن إلا طاهر»[6]، فإن لفظ: «طاهر» من الألفاظ المشتركة، والمؤمن طاهر مطلقًا سواء كان جنبًا، أو غير جنب.
وأما الآية: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة:79]. فالمقصود به اللوح المحفوظ على الراجح من أقوال العلماء، والله أعلم.
اختلفت آراء العلماء في جواز مكث الجنب في المسجد؛ فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه. والذين منعوه استدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ﴾ [النساء:43]، وبحديث النبي ﷺ: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب»[7]، وفي رواية: «ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض»[8].
والراجح في هذه المسألة مع الذين أجازوا له اللبث في المسجد، وذلك للبراءة الأصلية، ولعدم وجود دليل ناهض للتحريم، وهذه الأحاديث التي استدل بها المانعون ضعيفة؛ فالأول فيه اضطراب، وفي إسناده جسـرة بنت دجاجة. قال البخاري: عندها عجائب. والحديث الثاني مرسل. قال البغوي رحمه الله: (وجوز أحمد والمزني المكث، وضعف أحمد الحديث لأن راويه: «أفلت» مجهول[9]. وأما الآية، فالمقصود بقوله: ﴿ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ هم المسافرون تصـيبهم جنابة فيتيممون ويصلون، وقد روي ذلك عن ابن عباس)[10].
قال ابن حزم رحمه الله: (وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضـرة رسول الله ﷺ وهم جماعة كثيرة، ولا شك في أن فيهم من يحتلم، فما نُهُوا قط عن ذلك)[11].
قلت: لكن يستحب لمن أراد الجلوس في المسجد وكان جنبًا أن يتوضأ، لما ثبت عن عطاء ابن يسار قال: (رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة)[12].