ولا يكون ذلك إلا في الجماع، ويترتب على ذلك أمور:
الأول: فساد الحج، وفيه تفصـيل فيما يتعلق بفساد الحج، خلاصته كالآتي:
* إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه عند الأئمة الأربعة.
* إذا جامع بعد عرفة وقبل التحلل الأول، فسد حجه عند الثلاثة، ولم يفسد عند أبي حنيفة.
* إذا جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني، لا يفسد حجه عند الأئمة الأربعة.
الثاني: المضـي في فاسده، فلا يكون إفساد الحج مانعًا من إكماله.
الثالث: عليه الفدية، وهو عند الثلاثة: «بدنة»، وعند الحنفية: «شاة» إن جامع بعد الحلق، و«بدنة» إن جامع قبله، وهناك تفصـيلات في تحديد الفدية؛ راجعها في المطولات.
والمرأة كالرجل فيما يجب عليها إن كانت مطاوعة، وأما إن أكرهها فلا فدية عليها.
وأما الظاهرية؛ فقد ذهب ابن حزم إلى أنه إذا جامع المحرم بطل حجه، وليس عليه أن يتمادى في باطله، لكنه يُحْرم من موضعه، فإن أدرك تمام الحج فلا شـيء عليه غير ذلك؛ كأن يكون جماعه قبل عرفة، فإنه ينوي الحج ويدخل في النسك، وإن كان لا يدرك تمام الحج، فقد عصـى وأمره إلى الله تعالى، ولا هدي في ذلك ولا شـيء، إلا أن يكون لم يحج أو يعتمر قط، فعليه الحج والعمرة[1].
وما ذهب إليه ابن حزم قوي معتبر، لولا أنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما ما استدل به الأئمة لكان أرجح، لأنهم لم يذكروا دليلًا من كتاب ولا سنة. فالقول بما قال به ابن عباس هو الراجح. قال الشنقيطي رحمه الله: (اعلم أن غاية ما دل عليه الدليل: أن ذلك -يعني الجماع- لا يجوز في الإحرام؛ لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة:197]، أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم من ذلك، فليس على شـيء من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة)[2].
قلت: من هذه الآثار ما رواه البيهقي بسنده أن رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته؟ «فأشار إلى عبد الله بن عمر، قال: اذهب إلى هذا فاسأله... فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجه، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلًا، فحج، واهد، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره، فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله... فسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: قولي مثل ما قالا»[3]. وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن على كل واحد منهما «بدنة»، وفي بعضها أنهما تكفيهما بدنة واحدة.
ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف، فوجب الرجوع لفتواهم، فإن كان هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ، وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم، فالمصـير إلى اجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم، وهذا ما ترجح عند الأئمة الأربعة، والله أعلم.
وأما الدليل على أنه لو جامع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني -أي قبل طواف الإفاضة- فحجه صحيح: فهو ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر، فقال: «ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه الحج من قابل»[4].
(1) إذا تعدد ارتكاب المحظور؛ فإن كان من جنس واحد لم يتكرر، فعليه فدية واحدة إذا لم يفد عن الأول، وأما إن فدى عن الأول[5]، فعليه فدية عن الثاني، وهكذا.
(2) من فعل محظورات من أجناس مختلفة، فدى لكل محظور على حدة.
(3) إذا فعل محظورًا، ثم رفض إحرامه، فعليه الفدية أيضًا، ولا يجوز رفض الإحرام أصلًا.
(4) لو رفض إحرامه ثم ارتكب المحظور، فعليه الفدية أيضًا؛ لأنه لا يجوز رفض إحرامه، ولا يكون ذلك مبطلًا لحجه.
(5) لو فعل المحظور ناسـيًا أو مكرهًا أو جاهلًا، فلا شـيء عليه، إلا أن العلماء استثنوا من ذلك الوطء؛ فقالوا: لا يسقط بالنسـيان وعليه الفدية. قال ابن عثيمين رحمه الله: (والصحيح أن المعذور بجهل أو نسـيان أو إكراه لا يترتب على فعله شـيء أصلًا، لا في الجماع، ولا في الصـيد، ولا في التقليم، ولا في لبس المخيط، ولا في شـيء)[6].