هي اليمين الكاذبة قصدًا، أو هي الحلف على أمر ماضٍ، أو في الحال، متعمدًا الكذب؛ سواء كان ذلك نفيًا أو إثباتًا؛ مثل أن يقول: (والله لقد دخلت هذه الدار)، وهو يعلم أنه لم يدخلها، أو يقول: (والله ما رأيت فلانًا)، وهو يعلم أنه رآه.
وتسمى هذه اليمين: اليمين الغموس، والزور، والفاجرة، ويمين صبر (أي: أنه يصبر فيها نفسه على الجزم بالكذب، أو يصبر -يحبس- حق مسلم بها).
وسميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار.
حكم اليمين الغموس:
تعد اليمين الغموس من الكبائر، فيأثم صاحبها، ويجب عليه التوبة والاستغفار؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشـراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»[1].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على يمينِ صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان»[2].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرَّم عليه الجنة»، فقال رجل: وإن كان شـيئًا يسـيرًا يا رسول الله، قال: «وإن كان عودًا من أراك»[3].
مسألة: هل تجب الكفارة في اليمين الغموس؟
اختلف العلماء في وجوب الكفارة في اليمين الغموس على قولين:
القول الأول: لا كفارة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، واستدلوا على ذلك ببعض الأحاديث الضعيفة، ورأوا أنها تصلح للاستدلال بمجموعها.
وبما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له: اليمين الغموس[4]. قالوا: ولا نعلم لابن مسعود مخالفًا من الصحابة.
قالوا أيضًا: إن اليمين الغموس أعظم من أن تكفر، وإنما يلزمها التوبة ورد الحقوق لأصحابها.
قالوا أيضًا: وتسميتها يمينًا من باب المجاز؛ لمشابهتها لليمين، ولكنها كذب وزور. فاليمين التي تشـرع هي التي يعقد عليها القلب مستقبلًا لفعل شـيء أو تركه.
القول الثاني: فيها الكفارة -أي: مع التوبة- وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وذهب إليه ابن حزم، ونقله من قول الأوزاعي، والحسن بن حي، والحكم بن عُتَيبة، وعطاء ابن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومعمر، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة؛ منها:
(1) قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة:89]، فالظاهر إيجاب الكفارة في كل يمين لعموم الآية، فلا تسقط إلا إذا كان هناك نص في إسقاطها.
(2) قالوا: إن اليمين الغموس مما كسبه القلب، والله يقول: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة:225].
وأجابوا عن أدلة الأخرين بأن الأحاديث التي استدلوا بها ضعيفة، والأحاديث التي فيها الوعيد لصاحب اليمين الغموس لا تنفي الكفارة، بل إنها توجب التوبة فقط، فعليه أن يتوب إلى الله ويرد الحقوق لأصحابها، وعليه زيادة على ذلك: الكفارة. وأما أثر ابن مسعود فمنقطع؛ لأنه من رواية أبي العالية عنه، وهو لم يلقه.
وأما قولهم: هي أعظم من أن تكفر، فقد أجابوا بأن: هذه الدعوي لا دليل عليها؛ وذلك لأن هناك من الكبائر ما تجب فيه الكفارة؛ كمن جامع في رمضان متعمدًا. وتعلُّقْ الإثم بالغموس لا يمنع الكفارة، كما أن الظهار منكر من القول وزور، وتتعلق به الكفارة.