ثانيًا: سنن أخرى غير تابعة للصلوات الراتبة:
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»[1]، وفي رواية: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس».
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على مشـروعية صلاة ركعتين لمن دخل المسجد وأراد الجلوس فيه، وتسمى عند الفقهاء (تحية المسجد)، وإن كان لم يصـرح بهذا الاسم في الحديث.
واختلف العلماء في حكمها؛ فالجمهور على أنها سنة، وذهب بعض أهل العلم منهم داود الظاهري، وأصحابه، والشوكاني إلى وجوبها.
(1) تحية المسجد تصلى في أي وقت، حتى في أوقات النهي، ووقت الخطبة، أو إلقاء درس علم؛ وذلك لعموم الأحاديث، ولأمره ﷺ لمن دخل الجمعة وهو يخطب أن يصلي ركعتين[2].
(2) قال الشوكاني رحمه الله: (وظاهر الحديث أن التحية مشـروعة وإن تكرر الدخول إلى المسجد)، وقوَّى هذا الرأيَ النوويُّ في المجموع[3].
(3) تحية المسجد الحرام: الطواف، والمقصود أن ذلك للقادم لأداء الحج والعمرة عند طواف القدوم، وأما التحية فيه بعد ذلك كلما دخل المسجد، فهي صلاة ركعتين كغيره من المساجد، وكذلك لو قدم وأراد الجلوس قبل الطواف فإنه يصلي ركعتين.
(4) لا تجزئ تحية المسجد بأقل من ركعتين، فلو صلى على جنازة، أو سجد للتلاوة، أو سجد سجدة شكر، أو صلى الوتر ركعة واحدة، فإن هذا كله لا يجزئ؛ وذلك لصـريح الحديث: «حتى يصلي ركعتين».
(5) قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: ولا يشترط أن ينوي بالركعتين التحية، بل إذا صلى ركعتين بنية الصلاة مطلقًا، أو نوى ركعتين نافلة راتبة، أو غير راتبة، أو صلاة فريضة مؤداة أو قضاء أو منذورة؛ أجزأ ذلك وحصل له ما نوى، وحصلت تحية المسجد ضمنًا)[4].
(6) إذا جلس في المسجد قبل التحية، فإنه إن فعل ذلك جهلًا أو سهوًا، يشـرع له فعلها ما لم يطل الفصل[5].
وقد تقدم ذلك في باب الوضوء.
وسـيأتي ذلك - إن شاء الله - في أبواب الحج.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن؛ يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشـي وعاقبة أمرى - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسـره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شـر لي في ديني ومعاشـي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاصـرفه عني، واصـرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته»[6]. وفي رواية: «ثم رَضِّني به».
(1) الاستخارة تكون في الأمور الاختيارية للعبد، أعني: المباحة، وأما الأمور الواجبة والمستحبة فليس فيها استخارة؛ لأنها كلها خير، وعليه أن يأتي بها وجوبًا أو استحبابًا، وكذلك لا استخارة في الأمور المحرمة والمكروهة؛ لأنها كلها شـر، وعليه الانصـراف عنها؛ لأن التلبس بها محرمٌ أو مكروهٌ.
(2) أما الأمور الأخرى المباحة، فعلى العبد أن يأتي بالاستخارة، ولا يحتقر أمرًا فيترك الاستخارة، فرب أمر يستخف به يكون في الإقدام عليه ضـرر عظيم؛ فتأمل قوله: «يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن»، مما يدل على تأكيد الاهتمام بها.
(3) تكون الاستخارة بعد صلاة ركعتين من غير الفريضة كما هو ثابت في الحديث.
وعليه فلا يقع دعاء الاستخارة بعد الفريضة موقعه، ولا يكون أتى بالاستخارة المشـروعة، وعليه أن يتأدب بآداب الدعاء، فهذا أحرى لقبوله[7].
(4) الظاهر من قوله: «ثم ليقل» أن دعاء الاستخارة يكون بعد أداء الركعتين كاملتين. أي: بعد السلام.
(5) قال النووي رحمه الله: (ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشـرح له)[8]. وقال الشوكاني: (فلا ينبغي أن يعتمد على انشـراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا، وإلا فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون مستخيرًا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة، وفي التبرؤ من العلم والقدرة، وإثباتهما لله تعالى، فإن صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اختياره لنفسه)[9].
(6) ما يعتقده كثير من الناس من أنه لا بد أن يرى رؤيا يتبين من خلالها اختيار العمل أو الانصـراف عنه؛ فهذا باطل، بل المشـروع أن يستخير، وأن يمضـي لحاجته، آخذًا بالأسباب، متوكلًا على الله، وليحرص على ما ينفعه، فإذا قضـي الأمر فذاك، وإن صـرف عنه فلا يجزع؛ بل عليه أن يرضـى ويسلم، وعلى هذا فالاستخارة أولها توكل وآخرها استسلام ورضا.
(7) اعلم أن الاستخارة يقوم بها العبد لنفسه متوكلًا على الله؛ لقوله ﷺ: «إذا هم أحدكم بالأمر...»، وأما ما يفعله البعض بطلبهم من الغير أن يستخير له؛ فهو مما لا يعلم له دليل، بل هو مخالف للحديث السابق، وأيضًا فإن الاستخارة توكل على الله، ولا يتصور هذا لغير المستخير.
اختلف العلماء في صلاة التسابيح، وذلك تبعًا لاختلافهم في تصحيح الحديث وتحسـينه وتضعيفه. وقد ذكر ابن حجر، في كتابه (مجالس أمالي الأذكار)، جماعةً ممن صحَّحوه، وتعقب من أنكره، وحكم هو بتحسـينه لرواية ابن عباس رضي الله عنهما.
ولفظ الحديث كما ورد في سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: «يا عباس، يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشـر خصال، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سـره وعلانيته. عشـر خصال: أن تصلى أربع ركعات؛ تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشـرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشـرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشـرا، ثم تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشـرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشـرا، ثم تسجد فتقولها عشـرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشـرا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة»[10].